الوابل الصيب

منها طائفةٌ طيِّبَةٌ قَبِلَتِ الماء فأنْبَتَتِ الكَلأ والعُشْبَ الكثير، وكان منها طائفةٌ أجادِبُ أمْسَكَت الماءَ فَسَقى النَّاسُ وزَرَعُوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قِيعَانٌ، لا تُمْسِكُ مَاءً، ولا تُنْبِتُ كلأً، فذلك مَثَلُ من فَقُهَ في دين الله تعالى، ونفعه بما بعثني الله به، فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، ومَثَلُ من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هُدى اللهِ الذي أُرْسِلْتُ به"١.

فجعل النبيُّ ﷺ الناسَ بالنسبة إلى الهدى والعلم ثلاث طبقات٢:

الطبقة الأولى: ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوةً٣ إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ، فهؤلاء أتباع الرسول صلوات الله عليه وسلامه حقًّا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زَكَت، فقبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فَزَكَتْ في نفسها، وزكا الناسُ بها.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة، ولذلك كانوا٤ ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص: ٤٥].

  1. (١) أخرجه البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).
  2. (٢) انظر: "الرسالة التبوكية" (٦٤ - ٦٧)، و"طريق الهجرتين" (١٧٢ - ١٧٣)، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (٧٢)، و"مفتاح دار السعادة" (١/ ٢٤٦ - ٢٤٨) للمصنّف.
  3. (٣) (م): "ودعوا".
  4. (٤) (م): "وكذلك كان"، وفي (ق): "وكذلك كانوا".
135

فالأيدي: القوةُ في أمر الله، والأبصار: البصائر في دين الله ﷿، فبالبصائر يُدْرَكُ الحق ويُعْرَف، وبالقوة يُتَمَكَّنُ من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قُوّةُ الحفظ والفهم والفقه في الدين، والبصر بالتأويل، ففجَّرت من النصوص أنهار العلوم، واستنبطت منها كنوزها، ورُزِقَتْ فيها فهمًا خاصًّا، كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ -وقد سُئل-: هل خصَّكم رسول الله ﷺ بشيءٍ دون الناس؟ فقال: لا والذي فَلَق الحَبَّة وَبَرَأ النَّسَمَة، إلّا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه١.

فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة٢ عن:

الطبقة الثانية: فإنها حفظت النصوص، وكان هَمُّها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتَلَقَّوْها منهم، فاستنبطوا منها، واستخرجوا كنوزها،

  1. (١) أخرجه البخاري (٣٠٤٧).
  2. (٢) عبَّر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن هذه الطبقة الأولى في موضعٍ آخر بقوله -في "قاعدة شريفة في تفسير قوله ﴿أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا﴾ " (١/ ١٢٨ - جامع المسائل) -: "وإنّما القسم الأول من شرب قلبهُ معناه [أي: القرآن]، فأثّر في قلبه كما أثّر الماء في الأرض التي شربته، فحصل له من ذوق طعم الإيمان، ووجد [مِنْ] حلاوته ومحبة الله وخشيته والتوكّل عليه والإخلاص له، وغير ذلك من حقائق الإيمان الذي يقتضيها الكلام (كذا)، فهؤلاء كالطائفة التي قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، ولابُدّ أن يظهر ذلك على جوارحهم كما يظهر الكلأ والعشب".
    ثمّ بيّن مدلول لفظ "الفقه" و"الفقيه" في عرف السلف.
    وانظر: "درء التعارض" (٧/ ٢٥٦).
136

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي