فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ، وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسًا١.
وأما الطائفة الثالثة: وهم أشقى الخلق، الذين لم يقبلوا هدى الله ولم يرفعوا به رأسًا، فلا حِفْظَ، ولا فَهْمَ، ولا رواية، ولا دراية، ولا رعاية.
فالطبقة الأولى: أهل رواية ورعاية ودراية.
والطبقة الثانية: أهل رواية ورعاية، ولهم نصيب من الدراية، بل حظهم من الرواية أوفر.
والطبقة الثالثة: الأشقياء، لا رواية، ولا دراية، ولا رعاية. ﴿إِنْ
(١) عبّر شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذه الطبقة (الطائفة) الثانية بقوله - (١/ ١٢٧ - جامع المسائل) -: "وهذه حال من يحفظ العلم ويؤدّيه إلى من ينتفع به،. . . . وبعضُ الناس قال: إن الأول مثل الفقهاء، والثاني مثل المُحَدِّثين. والتحقيقُ أنّ الذين سمّاهم فقهاء، إذا كان مقصودهم إنما هو فهم الحديث وحفظ معناه وبيان ما يدلّ عليه، بخلاف المحدّث الذي يحفظ حروفه فقط = فالنوعان مثل الممسك الحافظ المؤدّي لغيره حتى ينتفع به، لكنّ الأوّل فهم من مقصود الرسول ما لم يفهمه الثاني. وكذلك القرآن، إذا كان هذا يحفظ حروفه، وهذا يفهم تفسيره، وكلاهما قد وعاه وحفظه وأدّاه إلى غيره = فهما من القسم الثاني". ثمّ بيّن ﵀ من هو القسم الأوّل (الطائفة الأولى)، وقد سبق نقلُه.
هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤] فهم الذين يضيّقون الديار، ويُغلون الأسعار، إنْ هَمُّ أحدِهم إلا بطنُه وفرجه، فإن ترقَّتْ هِمَّتهُ فوق ذلك كان همُّه -مع ذلك- في لباسه وزينته، فإن ترقَّتْ هِمَّته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقَّتْ هِمَّته فوق ذلك، كان هَمُّه في الرياسة والانتصار للنفس [الكلبيَّة، فإن ارتفعت هِمَّته عن نصرة النَّفس الكلبيَّة، كان همُّه في نصرة النفس السَّبُعيَّة]١.
وأمّا النفس المَلَكِيّة فلم يُعْطَها أحدٌ من هؤلاء.
والسَّبُعيَّة: لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، والاستعلاء عليها بالحق والباطل.
وأما المَلَكِيّة: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمَّرت إلى الرفيق الأعلى، فهِمَّتُها العلم والإيمان، ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذه لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربِّها ووليِّها، لا لتنقطع به عنه.
(١) ورد ما بين المعكوفين في النُّسخ التي بين يديَّ هكذا: "الغضبيّة، قد ارتفعت نفسه عن نصرة النفس الكلبيّة إلى نصرة النفس السّبُعية". وهو غير مستقيم كما ترى، وقد أثبتُّ الذي أراه صوابًا من طبعة الشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى.