هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ [الفرقان: ٤٤] فهم الذين يضيّقون الديار، ويُغلون الأسعار، إنْ هَمُّ أحدِهم إلا بطنُه وفرجه، فإن ترقَّتْ هِمَّتهُ فوق ذلك كان همُّه -مع ذلك- في لباسه وزينته، فإن ترقَّتْ هِمَّته فوق ذلك كان في داره وبستانه ومركوبه، فإن ترقَّتْ هِمَّته فوق ذلك، كان هَمُّه في الرياسة والانتصار للنفس [الكلبيَّة، فإن ارتفعت هِمَّته عن نصرة النَّفس الكلبيَّة، كان همُّه في نصرة النفس السَّبُعيَّة]١.
وأمّا النفس المَلَكِيّة فلم يُعْطَها أحدٌ من هؤلاء.
والسَّبُعيَّة: لا تقنع بذلك، بل بقهر النفوس، والاستعلاء عليها بالحق والباطل.
وأما المَلَكِيّة: فقد ارتفعت عن ذلك، وشمَّرت إلى الرفيق الأعلى، فهِمَّتُها العلم والإيمان، ومحبة الله تعالى، والإنابة إليه، والطمأنينة به، والسكون إليه، وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذه لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربِّها ووليِّها، لا لتنقطع به عنه.
(١) ورد ما بين المعكوفين في النُّسخ التي بين يديَّ هكذا: "الغضبيّة، قد ارتفعت نفسه عن نصرة النفس الكلبيّة إلى نصرة النفس السّبُعية". وهو غير مستقيم كما ترى، وقد أثبتُّ الذي أراه صوابًا من طبعة الشيخ إسماعيل الأنصاري رحمه الله تعالى.
فصل
ثم ضرب الله ﷾ مثلًا ثانيًا، وهو المثل الناريّ، فقال: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾[الرعد: ١٧]، وهذا كالحديد١، والنحاس، والفضة، والذهب، وغيرها، فإنها تدخل الكِير لِتُمَحَّص وتُخَلَّص من الخَبَث، فيخرج خَبَثُها فيُرْمَى به ويُطْرَح، ويبقى خالصها، فهو الذي ينفع الناس.
ولما ضرب الله ﷾ هذين المثلين ذكر حُكْمَ من استجاب له ورفع بهداه رأسًا، وَحُكْمَ من لم يستجب له، ولم يرفع بهداه٢ رأسًا: فقال: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ١٨﴾[الرعد: ١٨].
والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور، والموت حيث الظلمة، فحياة الوجودَيْن الروحيِّ والجسميِّ بالنور، وهو مادة الحياة، كما أنّه مادة الإضاءة، فلا حياة بدونه، كما لا إضاءة بدونه، وكما أنه به حياة القلب، فَبِه٣ انفساحه وانشراحه وَسَعَتُه، كما في الترمذيّ٤ عن
(١) (م): "وهو الحديد".
(٢) (ت): "بهذا"، وفي (م): "به".
(٣) (ح) و(ق): "فيه".
(٤) لم أقف عليه في "جامع" أبي عيسى الترمذي -المطبوع-، ولا رأيتُ من عزاه إليه إلّا المصنّف في "زاد المعاد" (٢/ ٢٤)، وقد ذكره الحكيم الترمذي =