الوابل الصيب

النبي ﷺ أنه قال: "إذا دخل النُّور القَلْبَ انْفَسَح وانْشَرَح" قالوا: وما علامة ذلك؟ قال: "الإنابةُ إلى دارِ الخُلود، والتَّجافي عن دار الغُرور، والاستعدادُ للموت قَبْلَ نُزُوله"١.

ونورُ العبد هو الذي يُصْعِدُ عَمَلَه وكَلِمَهُ إلى الله تعالى، فإن الله تعالى لا يَصْعد إليه من الكلم إلا الطَّيِّب -وهو نورٌ، ومصدرُه عن النور-، ولا من العمل إلا الصالح، ولا من الأرواح إلا الطَّيِّبة، وهي أرواح المؤمنين

  1. = في "نوادر الأصول" (١/ ٤٢٥).
  2. (١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ١٠٦)، ووكيع في "الزهد" (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩)، وعبد الرزاق في "التفسير" (١/ ٢١٧ - ٢١٨)، وسعيد بن منصور في "السنن" (٥/ ٨٦ - ٨٨)، والطبري في "التفسير" (١٢/ ١٠١)، والحاكم في "المستدرك" (٤/ ٣١١) وغيرهم.
    وفي إسناده اختلاف، قال الدارقطني في "العلل" (٥/ ١٨٩ - ١٩٠) بعد أن ذكر بعض أوجه الخلاف فيه:
    "وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور مرسلًا عن النبي ﷺ، كذلك قاله الثوري، وعبد الله بن المسور بن عون بن جعفر بن أبي طالبٍ هذا متروك".
    وذكره ابن رجب في "شرح العلل" (٢/ ٧٧٢ - ٧٧٣) مرسلًا، ثم قال: "فهذا هو أصل الحديث، ثم وصله قوم وجعلوا له إسنادًا موصولًا، مع اختلافهم فيه".
    ثمّ ساق كلام الدارقطني في تعليل الحديث، وتعقّبه بأنّ الصحيح عن وكيع روايته الحديث مرسلًا كما رواه الثوريّ.
    ولم يُصِب الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- حين عدّ هذا الاختلاف طُرقًا للحديث، يتقوّى بها، فقال في "تفسيره" (٣/ ١٣٦٢):
    "فهذه طرق لهذا الحديث مرسلة ومتّصلة يشدّ بعضها بعضًا".
144

التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله ﷺ١، والملائكةُ الذين خلقوا من نور، كما في "صحيح مسلم" عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: "خُلِقَت الملائكة مِنْ نُورٍ، وخُلِقَتِ الشَّياطينُ مِنْ نارٍ، وخُلِق آدمُ مِمَّا وُصِفَ لكم"٢.

فلما كانت مادة الملائكة من نورٍ كانوا هم الذين يَعْرُجُون إلى ربهم ﵎، وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وَقْتَ قبضِ الملائكة لها، فيُفْتَح لها باب السماء الدنيا، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، إلى أن يُنْتَهَى بها إلى السماء السابعة، فتُوقَفُ بين يدي الله ﷿، ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عِلِّيِّين٣.

فلما كانت هذه الروح روحًا زاكية طيبة نيِّرة مشرقة صعدت إلى الله ﷿ مع الملائكة.

وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء، ولا تصعد إلى الله تعالى، بل تُرَدُّ من السماء الدنيا إلى عالَمها وعُنْصُرِها؛ لأنها أرضية سُفْلِيّة، والأولى عُلْوِيّة سماوية، فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه، وهذا مُبَيَّنٌ في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الإمام أحمد، وأبو عوانة الإسفراييني في "صحيحه"، والحاكم،

  1. (١) من قوله "أرواح المؤمنين" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ق).
  2. (٢) "صحيح مسلم" (٢٩٩٦).
  3. (٣) (م): "في عليّين"، وفي (ق): "من أهل عليّين".
145

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي