الوابل الصيب

والمقصود: أن الله ﷿ لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نورًا، وأعظمُ الخلق نورًا أقربهم إليه، وأكرمُهم عليه.

وفي "المسند" من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ: "إنَّ الله تعالى خَلَقَ خَلْقَه في ظُلْمَةٍ، وَألْقى عليهم مِنْ نُورِه، فمن أصابَ من ذلك النُّورِ اهْتدَى، ومن أخْطَأه ضَلّ"؛ فلذلك أقول: جَفَّ القلمُ على عِلْمِ الله تعالى١.

وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان، وينفتح به باب

  1. = وقال أبو موسى الأصبهاني -فيما نقله عنه المصنِّف في "تهذيب السنن" (١٣/ ٦٥) -: "هذا حديث حسنٌ مشهور بالمنهال".
    وسبق ذكر عبارة ابن منده.
    وانتصر لتصحيحه شيخ الإسلام في "الفتاوى"، والمصنِّف في كتبه: "الروح" (٢١٩ - ٢٢١)، و"اجتماع الجيوش الإسلامية" (١١٢)، و"تهذيب سنن أبي داود" (٩/ ٢٣)، (١٣/ ٦٣ - ٦٩).
    وقال الذهبيُّ في "العلو" (١١٧): "إسناده صالح"، وتقدّمت له عبارة أخرى.
  2. (١) "المسند" (٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥).
    وأخرجه -أيضًا- الترمذيُّ (٢٦٤٢)، والحاكم (١/ ٣٠ - ٣١) وغيرهما.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن"، وصحّحه ابن حبان (٦١٦٩)، وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح، قد تداولتْه الأئمة، وقد احتجّا بجميع رُواته، ثم لم يخرجاه، ولا أعلم له علّة". ولم يتعقبه الذهبي.
    وقولُه: "فلذلك أقول: جفّ القلم. . ." هذا من قول عبد الله بن عمرو ﵄، راوي الحديث، كما هو مبيَّن في المصادر السابقة.
148

عظيم من أبواب سر القدر وحكمته، والله تعالى الموفق.

وهذا النور الذي ألقاه عليهم ﷾، هو الذي أحياهم وهداهم، فأصابت الفطرة منه حَظَّها، ولكنْ لمّا لم يستقلَّ بتمامه وكماله أكمله لهم، وأتمه بالوحي١ الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام، والنورِ الذي أوحاه اليهم، فأدركَتْهُ الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور، فانضاف نور الوحي والنُّبوَّةِ إلى نور الفطرة، نورٌ على نورٌ، فأشرقت منه القلوب، واستنارت به الوجوه، وحَيِيَتْ به الأرواح، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعًا واختيارًا، فازدادت به القلوب حياةً إلى حياتها.

ثم دلها ذلك النور على نورٍ آخر هو أعظم منه وأجلُّ، وهو نور الصفات العليا الذي يَضْمَحِلُّ فيه كلُّ نورٍ سواه، فشاهدَتْهُ ببصائر الإيمان٢ مشاهدةً نِسْبَتُها إلى القلب نِسْبَة المرئيّات إلى العَيْن؛ وذلك لاستيلاء اليقين عليها، وانكشاف حقائق الإيمان لها، حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن ﵎ بارزًا، وإلى استوائه عليه٣، كما أخبر به ﷾ في كتابه، وكما أخبر به عنه رسول الله ﷺ، يدبِّر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويُحْيِي، ويقضي

  1. (١) (ح) (ق): "بالرُّوح".
  2. (٢) (ت): "فشاهد به بصائر الإيمان".
  3. (٣) "وإلى استوائه عليه" ساقط من (ت).
149

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي