عظيم من أبواب سر القدر وحكمته، والله تعالى الموفق.
وهذا النور الذي ألقاه عليهم ﷾، هو الذي أحياهم وهداهم، فأصابت الفطرة منه حَظَّها، ولكنْ لمّا لم يستقلَّ بتمامه وكماله أكمله لهم، وأتمه بالوحي١ الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام، والنورِ الذي أوحاه اليهم، فأدركَتْهُ الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور، فانضاف نور الوحي والنُّبوَّةِ إلى نور الفطرة، نورٌ على نورٌ، فأشرقت منه القلوب، واستنارت به الوجوه، وحَيِيَتْ به الأرواح، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعًا واختيارًا، فازدادت به القلوب حياةً إلى حياتها.
ثم دلها ذلك النور على نورٍ آخر هو أعظم منه وأجلُّ، وهو نور الصفات العليا الذي يَضْمَحِلُّ فيه كلُّ نورٍ سواه، فشاهدَتْهُ ببصائر الإيمان٢ مشاهدةً نِسْبَتُها إلى القلب نِسْبَة المرئيّات إلى العَيْن؛ وذلك لاستيلاء اليقين عليها، وانكشاف حقائق الإيمان لها، حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن ﵎ بارزًا، وإلى استوائه عليه٣، كما أخبر به ﷾ في كتابه، وكما أخبر به عنه رسول الله ﷺ، يدبِّر أمر الممالك، ويأمر وينهى، ويخلق ويرزق، ويميت ويُحْيِي، ويقضي
(١) (ح) (ق): "بالرُّوح".
(٢) (ت): "فشاهد به بصائر الإيمان".
(٣) "وإلى استوائه عليه" ساقط من (ت).
وينفِّذ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويقلِّب الليل والنهار، ويُدَاوِلُ الأيام بين الناس، ويُقَلِّبُ الدُّوَل، فيذهب بدولة، ويأتي بأخرى.
والرسلُ من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعدٍ إليه بالأمر، ونازلٍ من عنده به، وأوامرُه ومراسيمه متعاقبةٌ على تعاقب الأوقات١، نافذةٌ بحسب إرادته ومشيئته، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تَقَدُّمٍ ولا تأخُّر، وأمرُه وسلطانُه نافِذٌ في السموات والأرض وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار٢ والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذَرَّاتِه، يُقَلِّبها ويُصَرِّفها، ويُحْدِث فيها ما يشاء، وقد أحاط بكل شيءٍ علمًا، وأحصى كل شيءٍ عددًا، ووسع كل شيءٍ رحمةً وحكمة، ووسع سَمْعُهُ الأصوات، فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجَها باختلاف لغاتها على تَفَنُّنِ حاجاتها، فلا يَشْغَلُه سَمْعٌ عن سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُه كثرة المسائل، ولا يتَبرَّمُ بإلحاح المُلِحِّين ذوي الحاجات٣.
وأحاط بصرُه بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر؛ فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد،