وينفِّذ، ويُعِزُّ ويُذِلُّ، ويقلِّب الليل والنهار، ويُدَاوِلُ الأيام بين الناس، ويُقَلِّبُ الدُّوَل، فيذهب بدولة، ويأتي بأخرى.
والرسلُ من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعدٍ إليه بالأمر، ونازلٍ من عنده به، وأوامرُه ومراسيمه متعاقبةٌ على تعاقب الأوقات١، نافذةٌ بحسب إرادته ومشيئته، فما شاء كان كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان، ولا تَقَدُّمٍ ولا تأخُّر، وأمرُه وسلطانُه نافِذٌ في السموات والأرض وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار٢ والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذَرَّاتِه، يُقَلِّبها ويُصَرِّفها، ويُحْدِث فيها ما يشاء، وقد أحاط بكل شيءٍ علمًا، وأحصى كل شيءٍ عددًا، ووسع كل شيءٍ رحمةً وحكمة، ووسع سَمْعُهُ الأصوات، فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه، بل يسمع ضجيجَها باختلاف لغاتها على تَفَنُّنِ حاجاتها، فلا يَشْغَلُه سَمْعٌ عن سَمْعٍ، ولا تُغْلِطُه كثرة المسائل، ولا يتَبرَّمُ بإلحاح المُلِحِّين ذوي الحاجات٣.
وأحاط بصرُه بجميع المرئيات، فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصَّمَّاء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر؛ فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد،
(١) (ت): "الآنات"، وفي (ح) و(ق): "الآيات".
(٢) (ت) و(م): "البحر".
(٣) "ذوي الحاجات" من (ح) و(ق).
وخطر بقلبه، ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه: ما لم يخطر بقلبه بَعْدُ، فَيَعْلَمُ١ أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا.
وله الخلق والأمر، وله الملك وله الحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، وله الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله، شملت قدرته كل شيء، ووسعت رحمته كل شيء، وَسَعَتْ نعمته إلى كل حيّ.
لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرْفَع إليه عمل الليل قبل عمل النهار٢، وعملُ النهار قبل عمل الليل٣، حجابُه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه.
يمينُه مَلأى، لا تَغِيضُها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، أرأيتم ما أنفق