الوابل الصيب

هو الملك الذي لا شريك له، والفرد فلا نِدُّ له١، والغنيُّ فلا ظهير له٢، والصمد فلا ولد له، ولا صاحبة له، والعليُّ فلا شبيه له، ولا سَمِيَّ له، كلُّ شيء هالك إلا وجهه، وكلُّ مُلْكٍ زائل إلا ملكه، وكل ظِلٍّ قَالِصٌ إلا ظِلُّه، وكل فضل منقطع إلا فضله.

لن يُطاع إلا بفضله٣ ورحمته، ولن يُعصى إلا بعلمه وحكمته، يُطاع فيَشْكُر، ويُعْصَى فيتجاوز وَيَغْفِر، كل نقمة منه عدل، وكل نعمة منه فضل، أقرب شهيد، وأدنى حفيظ، حالَ دون النفوس، وأخذ بالنواصي، ونَسَخ الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مُفْضِيَةٌ، والسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة، عطاؤه كلام، وعذابه كلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ٨٢﴾ [يس: ٨٢].

فإذا أشرقت على القلب أنوار هذه الصفات اضْمَحَلَّ عندها كل نور، ووراء هذا ما لا يخطر بالبال، ولا تناله عبارة.

والمقصود: أن الذكر يُنَوِّر القلب والوجه والأعضاء، وهو نور العبد في دنياه، وفي البرزخ، وفي يوم القيامة.

  1. = ولم أقف عليهما عند أحدٍ قبله.
  2. (١) (ت) و(م): "الذي لانِدّ له".
  3. (٢) (ت) و(م): "نظير له".
  4. (٣) (ح) و(ق): "بإذنه".
154

فصل

وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد تَخْرُجُ أعماله وأقواله ولها نورٌ وبرهان، حتى إن من المؤمنين من يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله ﵎ كَنُورِ الشمس، وهكذا نور روحه إذا قَدِم بها على الله ﷿، وهكذا يكون نورهُ السّاعي بين يديه على الصراط، وهكذا يكون نور وجهه في يوم القيامة، والله تعالى المستعان وعليه التكلان.

السابعة والثلاثون: أن الذكر رأس الأمور، وطريقُ عامَّةِ الطائفة، ومَنْشُور الوَلاية، فمن فُتِح له فيه فقد فُتِح له باب الدخول على الله ﷿، فَلْيَتَطَهَّرْ، وَلْيَدْخُل على ربه ﷿ يَجِدْ عنده كل ما يريد، فإن وجد ربه ﷿ وَجَد كلَّ شيء، وإن فاته ربه ﷿ فاته كلُّ شيء.

الثامنة والثلاثون: أن في القلب خَلَّةً وفاقةً لا يَسُدُّها شيءٌ ألبته إلا ذكر الله ﷿، فإذا صار الذكر شِعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة، واللسان تَبَعٌ له، فهذا هو الذكر الذي يَسُدُّ الخَلَّة، ويُغْنِي الفاقة، فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مَهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عن ذكر الله ﷿ فهو بضد ذلك، فقير مع كثرة جِدَّتَه، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته.

التاسعة والثلاثون: أن الذكر يجمع المتفرِّق، ويفرِّق المُجْتَمِع، ويقرِّب البعيد، ويُبَعِّد القريب؛ فيجمع ما تفرَّق على العبد من قلبه وإرادته،

155

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي