وللذاكر من هذه المعية نصيب وافر، كما في الحديث الإلهي: "أنا مع عبدي ما ذَكَرَني وتَحَرَّكَتْ بي شَفَتَاهُ"١.
وفي أثرٍ آخر: "أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أُقَنِّطُهُمْ من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، فإني أُحِبُّ التوابين، وأُحِبُّ المتطهرين، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من المعايب"٢.
(١) علّقه البخاري في "صحيحه" (١٣/ ٥٠٨ - الفتح)، ووصله في "خلق أفعال العباد" (٤٣٦)، وكذا ابنُ ماجه (٣٧٩٢)، وأحمد (٣/ ٨٢٠ - ٨٢١)، وابن المبارك في "الزهد" (٣٩٣) وغيرهم من حديث أبي هريرة ﵁. وصحّحه ابن حبان (٨١٥)، والحاكم (١/ ٤٩٦) ولم يتعقبه الذهبي. وانظر: "علل الدارقطني" (٩/ ٥٠ - ٥١)، و"شعب الإيمان" للبيهقي (٢/ ٤٠٦ - ٤٠٧)، و"تهذيب الكمال" (٣٥/ ٢٩٢)، و"تغليق التعليق" (٥/ ٣٦٢ - ٣٦٤).
(٢) لم أقف عليه مُسْنَدًا. ونقل ابن عبد الهادي في "العقود الدُّريّة" (٣٤٣) عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: "يقول الله تعالى في بعض الكتب:. . ." فذكره، فكأنه يريد كتب أهل الكتاب، فهو على هذا من الإسرائيليات. وانظر: "منهاج السنة" (٦/ ٢١٠)، و"رسالة في تحقيق الشكر" (١/ ١١٦ - جامع الرسائل)، و"التحفة العراقية" (١٠/ ٨٦ - مجموع الفتاوى)، و"الحسنة والسيئة" (١٤/ ٣١٩ - مجموع الفتاوى). وذكره المصنّف في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٥٦)، و"حادي الأرواح" (٢٦٥).
والمعيةُ الحاصلة للذاكر معيَّةٌ لا يشبهها شيء، وهي أخص من المعية الحاصلة للمُحْسِن والمُتَّقِي، وهي معية لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تُعْلَم بالذَّوْق١، وهي مزلّة أقدامٍ إن لم يَصْحَب العبدَ فيها تمييزٌ بين القديم والمُحْدَث، وبين الرب والعبد، وبين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وإلا وقع في حُلُولٍ يضاهي به النصارى، أو اتحادٍ يضاهي به القائلين بوحدة الوجود، وأن وجود الرب عين وجود هذه الموجودات، بل ليس عندهم ربٌّ وعَبْدٌ، ولا خَلْقٌ وحَقّ، بل الرب هو العبد، والعبد هو الرب، والخلق المُشَبَّه هو الحَقُّ المُنَزَّه٢، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.
والمقصود: أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة، وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه؛ وَلَج باب الحُلول والاتحاد ولابُدّ.
الثالثة والأربعون: أن الذكر يَعْدِلُ عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله ﷿، ويَعْدِلُ الضرب بالسيف في