الوابل الصيب

والمعيةُ الحاصلة للذاكر معيَّةٌ لا يشبهها شيء، وهي أخص من المعية الحاصلة للمُحْسِن والمُتَّقِي، وهي معية لا تدركها العبارة، ولا تنالها الصفة، وإنما تُعْلَم بالذَّوْق١، وهي مزلّة أقدامٍ إن لم يَصْحَب العبدَ فيها تمييزٌ بين القديم والمُحْدَث، وبين الرب والعبد، وبين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، وإلا وقع في حُلُولٍ يضاهي به النصارى، أو اتحادٍ يضاهي به القائلين بوحدة الوجود، وأن وجود الرب عين وجود هذه الموجودات، بل ليس عندهم ربٌّ وعَبْدٌ، ولا خَلْقٌ وحَقّ، بل الرب هو العبد، والعبد هو الرب، والخلق المُشَبَّه هو الحَقُّ المُنَزَّه٢، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوًّا كبيرًا.

والمقصود: أنه إن لم يكن مع العبد عقيدة صحيحة، وإلا فإذا استولى عليه سلطان الذكر، وغاب بمذكوره عن ذكره وعن نفسه؛ وَلَج باب الحُلول والاتحاد ولابُدّ.

الثالثة والأربعون: أن الذكر يَعْدِلُ عتق الرقاب، ونفقة الأموال، والحمل على الخيل في سبيل الله ﷿، ويَعْدِلُ الضرب بالسيف في

  1. (١) انظر: "طريق الهجرتين" (٤٧٩ - ٤٨٠)، و"مدارج السالكين" (٣/ ٩١ - ٩٦، ٤٤٢).
  2. (٢) هذه عبارة ابن عربي في "الفصوص" (١/ ٧٨).
    وانظر: "بغية المرتاد" (٤٠٥)، و"الجواب الصحيح" (٤/ ٣٠٠)، و"مجموع الفتاوى" (٢/ ١١٢ - ١١٣، ١٢١ - ١٢٢)، و"الصواعق المرسلة" (٣/ ٩٣١ - ٩٣٢).
159

سبيل الله ﷿١.

وقد تقدم أن "من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير كانت له عدل عشر رقاب، وكُتِبَتْ له مائة حسنة، ومُحِيَتْ عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي. . ." الحديث٢.

وذكر ابن أبي الدنيا عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد قال: قيل لأبي الدرداء ﵁: إن رجلًا أعتق مائة نسمة. قال: "إن مائة نَسَمةٍ من مال رجلٍ كثيرٌ، وأفضلُ من ذلك إيمان مَلْزُومٌ بالليل والنهار، وأنْ لا يزال لسان أحدكم رطبًا من ذكر الله ﷿"٣.

وقال ابن مسعود: "لأَنْ أُسَبِّح اللهَ تعالى تسبيحاتٍ أحبُّ إليَّ من أن أنفق عَدَدَهُن دنانير في سبيل الله ﷿"٤.

  1. (١) "ويعدل الضرب في سبيل الله ﷿" زيادة من (ح) و(ق).
  2. (٢) تقدم تخريجه (ص: ١٠٢).
  3. (٣) أخرجه محمد بن فضيل الضبي في "الدعاء" (٢٦٨)، وأحمد في "الزهد" (١٣٦)، وابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٣٠٤)، و(١٣/ ٤٥٨)، والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٥٣٠) وغيرهم، وفي إسناده انقطاع.
    وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٣٦٧): "رواه ابن أبي الدنيا موقوفًا بإسنادٍ حسن".
  4. (٤) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٢٩١)، والحسين المروزي في زوائده على "الزهد لابن المبارك" (٤٠٥) -وفي المطبوعة تحريف يُصحَّح من رواية "المصنَّف"-، بإسناد جيّد.
    وأخرجه البيهقيُّ في "الشعب" (٢/ ٥٦٧)، وفي إسناده انقطاع.
160

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي