الوابل الصيب

كثيرًا؛ فإذا ذكرتني كثيرًا فقد شكرتني كثيرًا، وإذا نسيتني فقد كفرتني"١.

وقد ذكر البيهقي -أيضًا- في كتاب٢ "شعب الإيمان" عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري. قال: يا رب إني أكون على حالٍ أُجِلُّك أن أذكرك فيها. قال: وما هي؟ قال: أكون جنبًا، أو على الغائط، وإذا بُلْتُ. فقال: وإن كان. قال: يا رب، فما أقول؟ قال: تقول: "سبحانك وبحمدك، وجنبني الأذى، وسبحانك وبحمدك، فقني الأذى"٣.

قلتُ: قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه"٤. ولم تستثن حالة من حالة، وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته.

  1. (١) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٧٤)، و(٨/ ٣٦٨).
    وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٣/ ٢١٢) بنحوه، وابنُ المبارك في "الزهد" (٣٣٠) مختصرًا، ومن طريقه ابن أبي الدّنيا في "الشكر" (١٨ برقم ٣٩).
  2. (٢) "كتاب" من (م) فقط، و"أيضًا" من (ح) و(ق).
  3. (٣) "شعب الإيمان" (٢/ ٥٩١).
  4. (٤) أخرجه مسلم (٣٧٣).
    وصححه البخاري، كما في "العلل الكبير" للترمذي (٣٦٠ - ترتيبه).
    وأعلّه أبو زرعة الرازي كما في "العلل" لابن أبي حاتم (١/ ٥١).
    وانظر: "علل الدارقطني" (٥/ ق ٥٠/ ب).
162

وأما في حال التخلِّي، فلم يكن يشاهده أحد يَحْكِي عنه، ولكنْ شَرَع لأمته من الأذكار قبل التخلِّي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يُخَلُّ به عند قضاء الحاجة وبعدها، وكذلك شرع لأمته من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم: "بِسْم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وجَنِّب الشَّيطان ما رَزَقْتنا"١.

وأما الذكر على٢ نفس قضاء الحاجة، وجِماع الأهل فلا ريب أنه لا يُكْرَه بالقلب؛ لأنه لابُدَّ لقلبه مِنْ ذِكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحبُّ شيءٍ إليه، فلو كُلِّف القلبُ نسيانَه لكان تكليفًا بالمحال، كما قال القائل:

يُرَادُ من القَلْب نِسيانُكُموتَأبَى الطِّباعُ عَلى النَّاقِل٣

وأمَّا٤ الذكر باللسان على هذه الحالة، فليس ممَّا شرَعَ لنا، ولا نَدَبَنا إليه رسولُ الله ﷺ، ولا نُقِل عن أحد من الصحابة ﵃٥.

  1. (١) سيأتي تخريجه (ص: ٣٥٠).
  2. (٢) (ح): "وأمّا عند نفس".
  3. (٣) البيت للمتنبي، في "ديوانه" (٢/ ٢٦ - العَرْف الطيّب).
  4. (٤) (ح): "فأمّا".
  5. (٥) ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الذكر باللسان في هذه الحالة.
    قال أبو حاتم الرازي عقب حديث عائشة: "كان يذكر الله على كل أحيانه" -كما في "العلل" لابنه (١/ ٥١) -: =
163

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي