وأما في حال التخلِّي، فلم يكن يشاهده أحد يَحْكِي عنه، ولكنْ شَرَع لأمته من الأذكار قبل التخلِّي وبعده ما يدل على مزيد الاعتناء بالذكر، وأنه لا يُخَلُّ به عند قضاء الحاجة وبعدها، وكذلك شرع لأمته من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم: "بِسْم الله، اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطانَ، وجَنِّب الشَّيطان ما رَزَقْتنا"١.
وأما الذكر على٢ نفس قضاء الحاجة، وجِماع الأهل فلا ريب أنه لا يُكْرَه بالقلب؛ لأنه لابُدَّ لقلبه مِنْ ذِكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحبُّ شيءٍ إليه، فلو كُلِّف القلبُ نسيانَه لكان تكليفًا بالمحال، كما قال القائل:
يُرَادُ من القَلْب نِسيانُكُموتَأبَى الطِّباعُ عَلى النَّاقِل٣
وأمَّا٤ الذكر باللسان على هذه الحالة، فليس ممَّا شرَعَ لنا، ولا نَدَبَنا إليه رسولُ الله ﷺ، ولا نُقِل عن أحد من الصحابة ﵃٥.
(١) سيأتي تخريجه (ص: ٣٥٠).
(٢) (ح): "وأمّا عند نفس".
(٣) البيت للمتنبي، في "ديوانه" (٢/ ٢٦ - العَرْف الطيّب).
(٤) (ح): "فأمّا".
(٥) ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الذكر باللسان في هذه الحالة. قال أبو حاتم الرازي عقب حديث عائشة: "كان يذكر الله على كل أحيانه" -كما في "العلل" لابنه (١/ ٥١) -: =
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: "إن الله تعالى ليُحِبُّ أن يُذكَرَ في السُّوقِ، ويحبُّ أن يذكرَ على كُلِّ حالٍ، إلَّا على الخَلاء"١.
ويكفي في هذه الحال استشعارُ الحياء، والمراقبة، والنِّعمةِ عليه في هذه الحالة، وهي من أجلِّ الذكر، فذِكْرُ كلِّ حالٍ بحسب ما يليق بها، واللائقُ بهذه الحال التَّقَنُّعُ بثوب الحياء من الله تعالى، وإجلالُه، وذِكرُ نعمته عليه، وإحسانِه إليه في إخراج هذا العَدُوِّ المؤذي له الذي لو بقي فيه لقتله، فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذِّي به.
وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه، وقال: يا لَها نِعْمَة لو يعلمُ النَّاسُ قدرَها!٢.
وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأبقى فِيَّ منفعته، وأذهب عني مَضَرَّتَهُ٣.
= "الذي أرى أن يُذكَر الله على كلّ حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث". وانظر: "مستخرج أبي عوانة" (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، و"البيان والتحصيل" لابن رشد (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٣١١).
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٩)، وأخرج البيهقيُّ في "الشعب" (٢/ ٤٦٢) بعضه.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩) بإسنادٍ ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه الطبراني في "الدّعاء" (٢/ ٩٦٧) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ وانقطاع، كما قال ابن حجر في "نتائج =