وقال عبد الله بن أبي الهذيل: "إن الله تعالى ليُحِبُّ أن يُذكَرَ في السُّوقِ، ويحبُّ أن يذكرَ على كُلِّ حالٍ، إلَّا على الخَلاء"١.
ويكفي في هذه الحال استشعارُ الحياء، والمراقبة، والنِّعمةِ عليه في هذه الحالة، وهي من أجلِّ الذكر، فذِكْرُ كلِّ حالٍ بحسب ما يليق بها، واللائقُ بهذه الحال التَّقَنُّعُ بثوب الحياء من الله تعالى، وإجلالُه، وذِكرُ نعمته عليه، وإحسانِه إليه في إخراج هذا العَدُوِّ المؤذي له الذي لو بقي فيه لقتله، فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذِّي به.
وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه، وقال: يا لَها نِعْمَة لو يعلمُ النَّاسُ قدرَها!٢.
وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لَذَّتَه، وأبقى فِيَّ منفعته، وأذهب عني مَضَرَّتَهُ٣.
= "الذي أرى أن يُذكَر الله على كلّ حال، على الكنيف وغيره، على هذا الحديث". وانظر: "مستخرج أبي عوانة" (١/ ١٢٦ - ١٢٧)، و"البيان والتحصيل" لابن رشد (٢/ ١٠٠ - ١٠١)، و"تفسير القرطبي" (٤/ ٣١١).
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٣٥٩)، وأخرج البيهقيُّ في "الشعب" (٢/ ٤٦٢) بعضه.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "الشكر" (١٣)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٨/ ٣٩٨ - ٣٩٩) بإسنادٍ ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه الطبراني في "الدّعاء" (٢/ ٩٦٧) من حديث عبد الله بن عمر ﵄ مرفوعًا بإسنادٍ فيه ضعفٌ وانقطاع، كما قال ابن حجر في "نتائج =
وكذلك ذِكْرُه حال الجماع، ذَكَر هذه النعمة التي مَنَّ بها عليه، وهي من أجلِّ نعم الدنيا، فإذا ذَكَر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر.
وقال النبي ﷺ لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأُحِبُّك، فلا تَنْس أن تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ"١.
فجمع بين الذِّكرِ والشُّكْر، كما جمع ﷾ بينهما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ١٥٢﴾[البقرة: ١٥٢]، فالذكر والشكر جِماعُ السعادة والفلاح.
الخامسة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين مَنْ لا يزال لسانه رَطْبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجَعَل ذكره شعاره.
فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب
= الأفكار" (١/ ٢١٩). وأخرجه العقيليُّ في "الضعفاء" (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٩٩) وغيرهما عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "أن نوحًا ﵇ لم يقم عن خلاءٍ قطّ إلا قال:. . ." فذكره، وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢) عن إبراهيم التيمي "أنّ نوحًا. . ."، وهو أشبه.
(١) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والنسائي (١٣٠٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٩)، وأحمد (٧/ ٣٨٠) وغيرهم. وصححه ابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠)، والحاكم (١/ ٢٧٣) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي.