وكذلك ذِكْرُه حال الجماع، ذَكَر هذه النعمة التي مَنَّ بها عليه، وهي من أجلِّ نعم الدنيا، فإذا ذَكَر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر.
وقال النبي ﷺ لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأُحِبُّك، فلا تَنْس أن تَقُولَ دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ: "اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ"١.
فجمع بين الذِّكرِ والشُّكْر، كما جمع ﷾ بينهما في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ١٥٢﴾[البقرة: ١٥٢]، فالذكر والشكر جِماعُ السعادة والفلاح.
الخامسة والأربعون: أن أكرم الخلق على الله تعالى من المتقين مَنْ لا يزال لسانه رَطْبًا بذكره، فإنه اتقاه في أمره ونهيه، وجَعَل ذكره شعاره.
فالتقوى أوجبت له دخول الجنة والنجاة من النار، وهذا هو الثواب
= الأفكار" (١/ ٢١٩). وأخرجه العقيليُّ في "الضعفاء" (١/ ٢١٣ - ٢١٤)، والبيهقي في "الشعب" (٨/ ٣٩٩) وغيرهما عن عائشة ﵂ مرفوعًا: "أن نوحًا ﵇ لم يقم عن خلاءٍ قطّ إلا قال:. . ." فذكره، وإسناده ضعيف. وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١/ ٢) عن إبراهيم التيمي "أنّ نوحًا. . ."، وهو أشبه.
(١) أخرجه أبو داود (١٥١٧)، والنسائي (١٣٠٢)، وفي "عمل اليوم والليلة" (١٠٩)، وأحمد (٧/ ٣٨٠) وغيرهم. وصححه ابن خزيمة (٧٥١)، وابن حبان (٢٠٢٠)، والحاكم (١/ ٢٧٣) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي.
والأجر.
والذِّكرُ يوجب له القرب من الله ﷿ والزلفى لديه، وهذه هي المنزلة.
وعُمَّال الآخرة على قسمين: منهم من يعمل على الأجر والثواب، ومنهم من يعمل على المنزلة١ والدرجة، فهو ينافس غيره الوسيلة والمنزلة عند الله تعالى، ويسابق إلى القُرْبِ منه.
وقد ذكر الله تعالى النوعين في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ ١٨﴾[الحديد: ١٨] فهؤلاء أصحاب الأجور والثواب، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾[الحديد: ١٩] فهؤلاء أصحاب المنزلة والقُرْبِ، ثم قال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ فقيل: هذا عطفٌ على الخبر عن ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾، أخبر عنهم بأنهم هم الصّدِّيقون، وأنهم الشهداء الذين يشهدون على الأمم، ثم أخبر عنهم بخبرٍ آخر، وهو قوله تعالى: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾؛ فيكون قد أخبر عنهم بأربعة أمور:
أنهم صِدِّيقون، وشهداء، فهذه هي المرتبة والمنزلة، ثمّ أخبر عنهم