وقيل: بل تم٢ الكلام عند قوله تعالى: ﴿الصِّدِّيقُونَ﴾، ثم ابتدأ ذِكْرَ حال الشهداء فقال: ﴿وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾٣.
فيكون قد ذكر المتصدقين أهلَ البِرِّ والإحسان، ثم المؤمنين الذين قد رسخ الإيمان في قلوبهم وامتلؤوا منه، فهم الصِّدِّيقون، وهم أهل العلم والعمل، والأوَّلُون أهلُ البرِّ والإحسان، ولكنَّ هؤلاء أكملُ صِدِّيقيَّةً منهم.
ثم ذكر سبحانه الشهداء، وأنه تعالى يُجري عليهم رزقهم ونورهم؛ لأنهم لما بذلوا أنفسهم لله تعالى أعاضهم عليها أن جعلهم أحياءً عنده يرزقون، فيجري عليهم رزقهم ونورهم، فهؤلاء السعداء.
ثم ذكر الأشقياء فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ١٠﴾ [المائدة: ١٠ و٨٦].
والمقصود أنه ﷾ ذكر أصحاب الأجور والمراتب، وهذان الأمران هما اللذان وَعَدَ بهما فرعونُ السحرةَ إنْ غَلَبُوا موسى عليه
(١) من قوله "ثمّ أخبر عنهم" إلى هنا، ساقط من (ح).
(٢) (ح) و(م): "وقيل: تم".
(٣) وهذا هو ما مال إليه المصنّفُ وذكر أوجه رُجحانِه في "طريق الهجرتين" (٥١٧ - ٥١٨).
فالعمال عَمِلوا على الأجور، والعارفون عَمِلوا على المراتب والمنزلة والزلفى عند الله، وأعمالُ هؤلاء القلبية أكثر من أعمال أولئك، وأعمال أولئك البدنية قد تكون أكثر من أعمال هؤلاء.
وذكر البيهقي عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال موسى ﵇: يا رب، أيُّ خلقك أكرم عليك؟ قال: الذي لا يزال لسانه رطبًا بذكري. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعلم؟ قال: الذي يلتمس إلى علمه علم غيره. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعدل؟ قال: الذي يقضي على نفسه مثل ما يقضي على الناس. قال: يا رب، أيُّ خلقك أعظم ذنبًا؟ قال: الذي يتَّهِمُني. قال: يا رب، وهل يَتَّهِمُك أحد؟ قال: الذي يستخيرني ولا يَرْضَى بقضائي١.
وذَكَر أيضًا عن ابن عباس قال: لمّا وفد موسى ﵇ إلى طور سيناء قال: يا رَبِّ، أيُّ عِبادكَ أحَبُّ إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني٢.