الوابل الصيب

قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشدَّ لك تحميدًا وتمجيدًا، وأكثر لك تسبيحًا.

قال: فيقول: ما يسألوني؟ قال: يسألونك الجَنَّة.

قال: فيقول: وهل رَأوْها؟ قال: يقولون: لا والله يا رَبِّ، ما رَأوْها.

قال: فيقول: فكيف لو أنهم رأوْها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة.

قال: فيقول: فمِمَّ يَتَعوَّذون؟ قال: يقولون: من النار.

قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا ربّ ما رأوها.

قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشَدَّ لها مَخَافَةً.

قال: يقول: فأُشْهِدُكم أني قد غَفَرْتُ لهم.

فيقول مَلَكٌ من الملائكة: فيهم فلانٌ ليس منهم، إنَّما جاء لِحَاجة. قال: هم الجُلَسَاءُ لا يَشْقَى بهم جَلِيسُهمْ"١.

  1. (١) "صحيح البخاري" (٦٠٤٨)، و"صحيح مسلم" (٢٦٨٩).
    وقوله: "فُضُلًا" تفرّد بها مسلم، ومعناها كما قال ابن الأثير في "النهاية" (٣/ ٤٥٥): "أي: زيادة عن الملائكة المرتَّبين مع الخلائق".
    وقوله: "عن كُتّاب الناس" لم أجده في رواية الصحيحين، وقد أشار الحافظ في "الفتح" (١١/ ٢١٥) إلى أنها زيادة عند ابن أبي الدنيا والطبراني وابن حبان.
    والمراد بـ"كُتّاب الناس": الملائكة الكرام الكاتبون، وغيرُهم، المرتَّبون =
176

فهذا من بركتهم على نفوسهم وعلى جليسهم، فلهم نصيب من قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، فهكذا المؤمن مبارك أين حَلَّ، والفاجر مشؤوم أين حَلّ.

فمجالس الذكر مجالس الملائكة، ومجالس الغفلة مجالس الشياطين، وكلٌّ مضافٌ إلى شكله وأشباهه، وكلُّ امرئ يَصْبُو١ إلى ما يناسبه.

الثالثة والخمسون: أن الله ﷿ يباهي بالذاكرين ملائكتَه، كما روى مسلم في "صحيحه" عن أبي سعيد الخدري قال: خرج معاويةُ على حَلْقَةٍ في المسجد، فقال: ما أجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جلسْنَا نَذْكُر الله تعالى. قال: آللهِ ما أجْلَسكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: والله ما أَجْلَسَنا إلَّا ذاك.

قال: أما إنّي لم أسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لكم، وما كان أحَدٌ بمنزلتي من رسول الله ﷺ أقلَّ عنه حديثًا مني، وإنَّ رسول الله ﷺ خرج على حَلْقَةٍ من أصحابه، فقال: "ما أجْلَسَكُم"؟ قالوا: جلسنا نَذْكُرُ الله تعالى ونحْمَدُه على ما هدانا للإسلام ومنَّ به علينا.

قال: "آللهِ ما أجْلَسُكُم إلَّا ذاك؟ " قالوا: والله ما أجْلَسَنَا إلَّا ذَاك.

قال: "أما إنِّي لم أسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لكم، ولكنّه أتَاني جبريلُ فأخبرني أنَّ الله ﵎ يباهي بِكم الملائكة"٢.

  1. = مع الناس. انظر: "تحقة الأحوذي" (١٠/ ٤٢).
  2. (١) (ح): "يصير".
  3. (٢) "صحيح مسلم" (٢٧٠١).
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي