فهذه المباهاة من الرب ﵎ دليلٌ على شرف الذكر عنده، ومحبته له، وأن له مَزِيَّة على غيره من الأعمال.
الرابعة والخمسون: أنّ مُدْمِنَ الذِّكْر يدخل الجنة وهو يضحك؛ لما ذكر ابن أبي الدنيا عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، عن أبيه، عن أبي الدرداء قال: "الذين لا تَزالُ ألسنتهم رَطْبَةً مِنْ ذكر الله ﷿ يدخل أحدهم الجنّة وهو يَضْحَك"١.
الخامسة والخمسون: أن جميع الأعمال إنما شُرِعَتْ إقامةً لذكر الله تعالى، والمقصودُ بها تحصيلُ ذكر الله تعالى.
قال سبحاق وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ١٤﴾[طه: ١٤].
قيل: المصدر مُضَافٌ إلى الفاعل، أي: لأذكرك بها.
وقيل مضافٌ إلى المذكور، أي: لِتَذْكُرَنِي بها، واللام على هذا لام التعليل.
وقيل: هي اللام الوقتية، أي: أقم الصلاة عند ذكري٢، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾[الإسراء: ٧٨]، وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٣٠٣)، و(١٣/ ٤٥٧)، وأحمد في "الزهد" (١٣٦)، والحسين المروزيُّ في زوائده على "الزهد لابن المبارك" (٣٩٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٢١٩)، و(٥/ ١٣٣) بإسنادٍ حسن.
لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وهذا المعنى حقٌّ يراد بالآية١، لَكنَّ تفسيرها به وأنه هو معناها فيه نظر؛ لأن هذه اللام الوقتية يليها٢ أسماء الزمان والظّروف، والذِّكْرُ مصدر، إلا أن يُقَدَّر بزمان محذوف، أي: عند وقتِ ذكرى، وهذا محتمل.
والأظهر: أنها لام التعليل، أي: أقمِ الصلاة لأجل ذكري، ويلزم من هذا أن تكون إقامتها عند ذكره، وإذا ذَكرَ العبدُ ربَّه فذِكْرُ الله تعالى سابقٌ على ذِكره، فإنه لمّا ذَكَره ألهمه ذِكْرَه، فالمعاني الثلاثة حقّ.
فقيل: المعنى: إنكم في الصلاة تذكرون الله، وهو ذَاكِرٌ مَنْ ذَكَره، ولَذِكْرُ اللهِ تعالى إيَّاكُم أكبرُ من ذِكْركم إياه. وهذا يُروى عن ابن عباس، وسلمان، وأبي الدرداء، وابن مسعود، ﵃٣.
وذكر ابن أبي الدنيا عن فضيل بن مرزوق عن عطية: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ قال: هو قول الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، فذِكْرُ الله تعالى لكم أكبر من ذكركم إيَّاه٤.
(١) (م): "وهذا المعنى مراد"، وفي (ق): "وهذا المعنى حق مراد".