الوابل الصيب

المتصدِّقين أكثرهم ذكرًا لله ﷿، وأفضل الحجاج أكثرهم ذِكرًا لله ﷿، وهكذا سائر الأعمال.

وقد ذكر ابن أبي الدنيا حديثًا مرسلًا في ذلك: أن النبيَّ ﷺ سُئل: أيُّ أهل المسجد خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ﷿". قيل: فأيُّ أهل الجنازة خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ﷿". قيل: فأيُّ المجاهدين خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ﷿". قيل: فأيُّ الحُجَّاج خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ﷿". قيل: وأي العُوَّادِ١ خير؟ قال: "أكثرهم ذكرًا لله ﷿". قال أبو بكر: ذهب الذَّاكرون بالخير كلِّه٢.

وقال عبيد بن عمير: إِنْ أعظَمَكم هذا الليلُ أن تُكابِدوه، وبَخِلْتُمْ على

  1. (١) وردت هذه اللفظة في (ت) كأنها "العُبّاد"، والمثبت من (ح) و(م) و(ق) ورواية البيهقي في "الشعب"، ولعلّ المقصود: عُوَّاد المرضى.
  2. (٢) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٥٠١) من حديث أبي سعيد المقبري مرسلًا.
    والبيهقيُّ في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٥١ - ٤٥٢)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٣٦٦) مرسلًا من وجهٍ آخر.
    ورُوِي موصولًا من حديث سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه ﵁ عن النبي ﷺ.
    أخرجه أحمد (٥/ ٣٧٢)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ١٨٦)، و"الدعاء" (٣/ ١٦٤٢) بإسنادٍ ضعيف.
    قال الهيثمي في "المجمع" (١٠/ ٧٤):
    "وفيه زبّان بن فائد، وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وكذلك ابن لهيعة، وبقية رجاله ثقات".
182

المال أن تُنْفِقُوه، وجَبُنْتُم عن العدوِّ أن تقاتلوه = فَأكْثِروا من ذِكْرِ الله ﷿١.

السابعة والخمسون: أنّ إدامة الذكر تنوب عن التطوعات، وتقوم مقامها، سواء كانت بدنيّة، أو ماليّة، أو بدنية مالية كحج التطوع.

وقد جاء ذلك صريحًا في حديث أبي هريرة: أن فقراء المهاجرين أتَوْا رسولَ الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرجَاتِ العُلى، والنَّعيم المُقيم، يُصلُّونَ كما نُصلِّي ويَصُومُونَ كما نَصُومُ، ولهُمْ فَضْلُ أمْوال يَحُجُّون بها، ويَعْتَمِرُون، ويجاهِدُون.

فقال: "ألا أعَلِّمُكُم شَيْئًا تُدْرِكُون به مَنْ سبَقَكُم، وتَسْبِقُون به من بَعْدَكُم، ولا أحَد يكُونَ أَفْضلَ مِنْكُم إلا من صنع مِثْلَ ما صنَعْتُم"؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "تُسَبِّحُون، وتَحْمَدُون، وتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كلِّ صلاة. . ." الحديث. متفق عليه٢.

فجعل الذِّكر عِوَضًا لهم عما فاتهم من الحج والعمرة والجهاد، وأخبر أنهم يَسْبِقُونَهُم٣ بهذا الذِّكر، فلما سمع أهل الدُّثُور بذلك عملوا به، فازدادوا -إلى صدقاتهم وعباداتهم بمالهم- التعبُّدَ بهذا الذِّكر، فحازوا

  1. (١) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٣٩٢)، وأحمد في "الزهد" (٣٧٨ - ٣٧٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ٢٦٧ - ٢٦٨).
    وأخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٣٩١ - ٣٩٢) -أيضًا- عن عبد الله بن مسعود ﵁ بإسنادٍ حسن.
  2. (٢) "صحيح البخاري" (٨٣٤، ٦٣٢٩)، و"صحيح مسلم" (٥٩٥).
  3. (٣) (ت) و(م): "يسبقون".
183

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي