الفضيلتين، فنافسهم الفقراء وأخبروا رسول الله ﷺ بأنهم قد شاركوهم في ذلك، وانفردوا عنهم بما لا قدرة لهم عليه، فقال: "ذَلكَ فَضْلُ الله يُؤتِيه من يَشَاء".
وفي حديث عبد الله بن بسر قال: جاء أعرابي فقال: يا رسول الله، كثرت عليَّ خِلال الإسلام وشرائِعُه، فأخبرني بأمرٍ جامعٍ يكفيني. قال: "عَلَيْكَ بِذِكْرِ الله تعالى" قال: ويكفيني يا رسول الله؟ قال: "نعم، ويَفْضُلُ عنْكَ"١.
فَدَلَّهُ الناصح ﷺ على شيءٍ يَبْعَثُه على شرائع الإسلام والحرص عليها والاستكثار منها، فإنه إذا اتخذ ذكر الله تعالى شعاره أحَبَّه وأحبَّ ما يُحِبّ، فلا شيء أحب إليه من التقرب بشرائع الإسلام، فلذلك دَلَّه٢ﷺ على ما يَتَمَكَّن به من شرائع الإسلام، وتسهل به عليه، وهو ذكر الله ﷿. يوضِّحُه:
الثامنة والخمسون: أن ذكر الله ﷿ من أكبر العون على طاعته؛ فإنه يُحَبِّبُها إلى العبد، ويُسَهِّلها عليه، ويُلَذِّذُها له، ويجعل قرة عينه فيها، ونعيمَه وسرورَه بها، بحيث لا يجد لها من الكلفة والمشقة والثِّقَل ما يجد الغافل، والتجربة شاهدة بذلك. يوضِّحُه:
التاسعة والخمسون: أن ذكر الله ﷿ يُسَهِّل الصَّعْب، ويُيَسِّر العسير،
(١) تقدم تخريجه (ص: ٨٦)، وأخرجه باللفظ المذكور هنا ابنُ أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" (٣/ ٥١).
(٢) (ح) و(ق): "فدلّه".
ويُخفِّفُ المَشَاقَّ، فما ذُكِر الله ﷿ على صعبٍ إلا هان، ولا على عَسيرٍ إلا تَيَسَّر، ولا مشقَّةٍ إلا خَفَّتْ، ولا شِدَّةٍ إلَّا زَالت، ولا كُرْبَةٍ إلا انفرجت، فَذِكْرُ الله تعالى هو الفرج بعد الشدة، واليُسْرُ بعد العُسْرِ، والفرج بعد الغم والهم. يوضحه:
الستون: أن ذكر الله ﷿ يُذْهِب عن القلب مَخَاوِفَه كلَّها، وله تأثير عجيب في حصول الأمن، فليس للخائف الذي قد اشتد خوفه أنفع من ذكر الله ﷿، فإنّه١ بحسب ذكره يجد الأمن ويزول خوفه، حتى كأن المخاوفَ التي يحذرها٢ أمانٌ له، والغافلُ خائف مع أَمْنِه، حتى كأنَّ ما هو فيه من الأمنِ كلِّه مخاوفٌ، ومَنْ له أدنى حِسٍّ قد جَرَّبَ هذا وهذا. والله المستعان.
الحادية والستون: أن الذكر يُعْطِي الذَّاكر قُوَّةً، حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يُطِيق فِعْلَه بدونه، وقد شاهدتُ من قوة شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في مِشْيته٣، وكلامه، وإقدامه، وكتابته، أمرًا عجيبًا؛ فكان يكتب في اليوم من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جُمعة أو أكثر، وقد شاهد العَسْكرُ من قُوَّتِه في الحرب أمرًا عظيمًا.
وقد علَّم النبي ﷺ ابنته فاطمة وعليًّا -رضي الله تعالى عنهما- أن يسبِّحا كل ليلة إذا أخذا مضاجِعَهما ثلاثًا وثلاثين، ويَحْمَدا ثلاثًا