الثانية والستون: أن عُمَّال الآخرة في مضمار السباق، والذاكرون هم أسبقهم في ذلك المضمار، ولكن القَتَر والغبار يمنع من رؤية سَبْقِهم، فإذا انجلى الغبار وانكشفَ رآهم الناس وقد حازوا قَصَبَ السَّبْق.
قال الوليد بن مسلم: حدثنا محمد بن عجلان: سمعت عمر مولى غفرة يقول: إذا انكَشَف الغِطَاءُ١[للنَّاس] يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يَرَوْا عملًا أفضل ثوابًا من الذِّكْر، فَيَتَحَسَّرُ عند ذلك أقوامٌ، فيقولون: ما كان شئ أيْسر علينا من الذِّكْر.
وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: "سيرُوا، سَبَقَ المُفَرِّدُونَ٢ " قالوا: وما المُفَرِّدُونَ؟ قال: "الذين أُهْتِرُوْا في ذِكْرِ الله تعالى، يَضَعُ الذكرُ عنهم أوزارَهم"٣.
(١) (ت) و(م): "الغبار"، وما بين المعكوفين ليس في الأصول التي بين يديّ، والسّياق يقتضيه، والأثر لم أقف عليه.
(٣) أخرجه الترمذي (٣٥٩٦)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٠٣)، وابن عدي في "الكامل" (٥/ ١٥) في ترجمة راويه "عمر بن راشد"، وهو ضعيف الحديث، وخاصّة في يحيى بن أبي كثير، وحديثه هذا عنه. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب". ورُوِى من وجهٍ أحسن من هذا، وليس فيه قوله "يضع الذكر عنهم أوزارهم". أخرجه أحمد (٣/ ٢٥٠)، والبخاري في "التاريخ الكبير" (٨/ ٤٤٨ - ٤٤٩) والبيهقي في "الشعب" (٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣)، وصحّحه الحاكم (١/ ٤٩٥)، ولم يتعقبه الذهبي، وذكر البخاريُّ أنّه أصحُّ من الوجه السابق، =
أُهْتِرُوا بالشيء وفيه: أُولِعُوا به ولَزِمُوه وجعلوه دَأْبهم.
وفي بعض ألفاظ الحديث: "المُسْتَهْتَرُون بذِكْرِ الله".
ومعناه: الذين أُولِعوا به. يقال: استُهْتِرَ فلانٌ بكذا؛ إذا أُولِع بِه.
وفيه تفسير آخر: أنّ "أُهْتِرُوا في ذكر الله" أي: كَبُروا وهَلَكَ أقرانُهم وهم في ذكر الله تعالى١.
يقال: أَهْتَرَ الرجلُ٢، فهو مُهْتِر: إذا أَسْقَطَ في كلامه من الكِبَر. والهِتْرُ: السَّقَطُ من الكلام؛ كأنه بقي في ذكر الله تعالى حتى خَرِفَ وأنكر عقله. والهِتْرُ: الباطل أيضًا. ورجل مُسْتَهْتَر٣: إذا كان كثير الأباطيل.
وفي حديث ابن عمر: "أعوذ بالله أن أكون من المُسْتَهْتَرين"٤.
= وتبعه على ذلك البيهقي. ورُوِي من وجهٍ آخر ضعيفٍ. أخرجه أبو القاسم التيمي الأصبهاني في "الترغيب والترهيب" (١٣٥٣). وأصلُ الحديث في "صحيح مسلم" (٢٦٧٦).