وحقيقة لفظ الاستهتار: الإكثار من الشيء، والولوع به، حقًّا كان أو باطلًا، وغلب في عُرفِ الناس١ استعماله على المُبْطِل، حتى إذا قيل: فلان مُسْتَهْتَر، لا يُفْهَم منه إلا الباطل. وإنما إذا قُيِّد بشيءٍ تقيَّدَ به، نحو: هو مُسْتَهْتَر، أو قد أُهْتِرَ في ذكر الله تعالى؛ أي: أُولِع به وأُغْرِيَ به.
ويقال: استُهْتِرَ فيه وَبِه.
وتفسير هذا في الأثر الآخر: "أكْثِرُوا ذِكْرَ الله تعالى حتى يُقال: مجْنُونٌ"٢.
الثالثة والستون: أن الذكر سببٌ لتصديق الرب ﷿ عبدَه، فإنه خَبَرٌ٣ عن الله تعالى بأوصاف كماله ونعوت جلاله، فإذا أخبر بها العبد صدَّقه ربُّه، ومن صدَّقه الله تعالى لم يُحْشَرْ مع الكاذبين، ورُجِيَ له أن يُحْشَر مع الصادقين.
روى أبو إسحاق عن الأغَرِّ أبي مسلم، أنه شهد على أبي هريرة وأبي سعيد الخدري ﵄ أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: "إذا قال العَبْدُ: لا إله إلا الله والله أكبر، قال: يقول الله ﵎: صَدَقَ عَبْدِي. لا إله إلا أنا، وأنَا أكْبَرُ. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا وَحْدي. وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، قال: صدق عبدي، لا إله إلّا أنا، ولا شريك لي. وإذا قال: لا
(١) "في عُرفِ الناس" من (م) فقط.
(٢) تقدم تخريجه (ص: ٩٣).
(٣) (ح): "اخبر".
إله إلّا الله له الملك وله الحمد، قال: صدق عبدي، لا إله إلّا أنا، لي الملك ولي الحمد. وإذا قال: لا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال: صدق عبدي، لا إله إلا أنا، ولا حول ولا قوة إلا بي".
قال أبو إسحاق: ثم قال الأغرُّ شيئًا لم أفهَمْهُ. قلت لأبي جعفر: ما قال؟ قال: "مَنْ رُزِقَهُنَّ عند مَوْته لم تَمَسَّهُ النَّار"١.
الرابعة والستون: أَنَّ دُورَ الجنّة تُبْنَى بالذكر، فإذا أَمْسَكَ الذاكرُ عن الذكر أَمْسَكتِ الملائكةُ عن البناء، فإذا أَخَذَ في الذكر أخذوا في البناء.
وذكر ابن أبي الدنيا في كتابه، عن حكيم بن محمد الأخنسي قال: بلغني أن دُورَ الجنة تُبْنَى بالذكر، فإذا أُمْسِكَ عن الذكر أَمْسَكُوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون٢: حتى تأتينا نفقة٣.
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٣٠)، وابن ماجه (٣٧٩٤)، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" (٣٠) وغيرهم. قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب، وقد رواه شعبة عن أبي إسحاق عن الأغرّ أبي مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد بنحو هذا الحديث بمعناه، ولم يرفعه شعبة". وأعلّه بمثل ذلك النسائي، وانظر: "علل الدارقطني" (٨/ ٣٣٢ - ٣٣٣). وصحّحه ابن حبان (٨٥١)، والحاكم (١/ ٥) فتعقّبه الذهبيُّ بقوله: "أوقفه شعبة وغيره". ومثلُ هذا ممّا لا يُقال بالرأي، فله حكم الرفع، والله أعلم.
(٢) (ت): "فيقولوا".
(٣) كتابُ ابن أبي الدّنيا في "الذكر" لم يُطبع حتى الآن، ولم أر من أشار إلى شيءٍ من نسخه الخطّية.