الثامنة والستون: أنَّ كثرة ذكر الله ﷿ أمانٌ من النفاق؛ فإن المنافقين قليلو الذكر لله ﷿١.
قال الله ﷿ في المنافقين: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ١٤٢﴾[النساء: ١٤٢].
وقال كعب: مَنْ أَكْثَر ذكر الله ﷿ برئ من النفاق٢.
ولهذا -والله أعلم- ختم الله تعالى سورة المنافقين بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ٩﴾[المنافقون: ٩]؛ فإن في ذلك تحذيرًا من فتنة المنافقين الذين غفلوا عن ذكر الله ﷿، فوقعوا في النفاق.
وسُئِل بعض الصحابة ﵃ عن الخوارج: أمنافقون هم؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا٣.
(١) (ت) و(م) و(ق): "فالمنافق قليل الذكر لله ﷿".
(٢) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠). ورُوِى عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (٧/ ٨٦)، و"الصغير" (٢/ ١٧٢)، وأبو موسى المديني في "اللطائف من دقائق المعارف" (٣٨٧ - ٣٨٨)، ولا يصحّ. انظر: "لسان الميزان" (٥/ ١٩٥)، و"مجمع الزوائد" (١٠/ ٧٩)، و"السلسلة الضعيفة" (٨٩٠).
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، ٣٣٢)، وعبد الرزاق في "المصنّف" (١٠/ ١٥٠)، ومحمد بن نصر المروزي في "تعظيم قدر الصلاة" (٢/ ٥٤٣ - ٥٤٤) وغيرهم بأسانيد بعضها صحيح.
فهذا من علامة النفاق: قِلَّةُ ذِكْرِ الله ﷿. وكثرةُ ذكره أمانٌ من النفاق، واللهُ ﷿ أكرمُ من أن يبتلي قلبًا ذاكرًا بالنفاق، وإنما ذلك لقلوبٍ غفلت عن ذكر الله ﷿.
التاسعة والستون: أن للذكر من بين الأعمال لَذّةً لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذةُ الحاصلة للذاكر، والنعيمُ الذي يحصل لقلبه لكفى به، ولهذا سُمِّيَتْ مجالسُ الذكر رياضَ الجنة.
قال مالك بن دينار: ما تَلَذَّذَ المُتَلَذِّذُون بمثل ذكر الله ﷿١.
فليس شيء من الأعمال أخفُّ مؤونةً منه، ولا أعظم لذة، ولا أكثر فرحة وابتهاجًا للقلب.
السبعون: أنه يكسو الوجه نُضْرةً في الدنيا، ونورًا في الآخرة، فالذاكرون أَنْضَرُ الناسِ وجوهًا في الدنيا، وأَنْوَرُهُم في الآخرة.
ومن المراسيل عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قال كل يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير؛ أتى الله تعالى٢ يوم القيامة ووجهه أشدُّ بياضًا من القمر ليلة البدر"٣.
(١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/ ٥٨٩). وأخرجه أحمد في "الزهد" (٣٢١)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٣٥٨) بلفظ: "ما تنعّم المتنعّمون. . .".
(٢) (ت): "أتى يوم القيامة. . ."، وفي (م): "أتى الله ووجهه .. ".
(٣) أخرجه بنحوه الطبراني في "مسند الشاميّين" (٢/ ١٠٣) عن أبي الدرداء رضي =