الوابل الصيب

والذاكرُ لله ﷿ في سائر البقاع يَكْثُرُ شهوده١، ولعلهم أو أكثرهم أن يقبلوا يوم قيام الأشهاد٢، وأداء الشهادات، فيفرح ويغتبط بشهادتهم.

الثانية والسبعون: أن في الاشتغال بالذكر اشتغالًا عن الكلام الباطل من الغيبة، والنميمة، واللغو، ومدح الناس، وذَمِّهم، وغير ذلك، فإن اللسان لا يسكت ألبتة؛ فإما لسانٌ ذاكرٌ، وإمَّا لِسَانٌ لاغٍ، ولابد من أحدهما.

فهي النفسُ إن لم تَشْغَلْها بالحق وإلا شَغَلَتْكَ بالباطل، وهو القلب إنْ لم تَسْكُنه محبةُ الله ﷿، سَكَنَتْهُ محبة المخلوقين ولابُدّ، وهو اللسان إنْ لم تشغله بالذكر شغلك باللغو، وهو عليك ولابُدّ، فاختر لنفسك إحدى الخُطَّتين، وأَنْزِلْها في إحدى المنزلتين.

الثالثة والسبعون: وهي التي بدأنا بذكرها، وأشرنا إليها إشارة٣، فنذكرها هاهنا مبسوطةً لعظيم الفائدة بها، وحاجة كل أحدٍ، بل ضرورتُه

  1. = الأوّل: "حسن غريب"، وفي الموضع الثاني: "حسن صحيح" ..
    وصححه ابن حبان (٧٣٦٠)، والحاكم (٢/ ٢٥٦، ٥٣٢) فتعقبه الذهبيُّ فى الموضع الثاني بقوله: "قلتُ: يحيى هذا منكر الحديث، قاله البخاري".
  2. (١) (ح) و(ق): "مكثر شهوده".
  3. (٢) كذا في (ت) و(م) و(ق)، وفي (ح): "يقبلوا يوم القيامة قيام الأشهاد. . ."، أي: يقبلوا الشهادة له، وفي بعض مطبوعات الكتاب: "يقبلوه يوم القيامة يوم قيام الأشهاد"، والمعنى على كلٍّ ظاهر.
  4. (٣) "وأشرنا إليها إشارة" من (ح) و(ق)، وفي (م): "وأشرنا إليها".
198

إليها، وهي أن الشياطين قد احْتَوَشَتْ العبد، وَهُمْ أعداؤه، فما ظنك برجل قد احْتَوَشه أعداؤه المُحْنِقُون عليه غيظًا، وأحاطوا به، وكُلٌّ منهم يناله بما يقدر عليه من الشَّرِّ والأذى؟!

ولا سبيل إلى تفريق جمعهم عنه إلا بذكر الله ﷿.

وقد جاء في هذا الحديث العظيم، الشريفِ القدر، الذي ينبغي لكل مسلم أن يحفظه، فنذكره بطوله لعموم فائدته، وحاجة الخلق إليه، وهو حديث سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب١ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا، ونحن في صُفَّةٍ بالمدينة، فقام علينا وقال: "إني رأيْتُ البارِحَة عَجَبًا: رأيتُ رجلًا من أمَّتي أتاه مَلَكُ الموت ليَقْبِض رُوحَهُ فجاءه بِرُّه بوالِدَيْه فردَّ مَلَك الموت عنه، ورأيت رجلًا قد بُسِط عليه عذاب القبر فجاءه وضوؤُه فاستنقذه من ذلك، ورأيتُ رجُلًا من أمَّتي قد احْتَوَشَتْه الشياطين فجاءه ذكْرُ الله ﷿ فطرد الشيطان عنه،

  1. (١) في (ح) و(ق) وبعض مطبوعات الكتاب: "جندب"، وهو خطأ.
    وعبد الرحمن بن سمرة هو ابن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي. انظر: "جمهرة النسب" لابن الكلبي (٥٥)، و"نسب قريش" للمصعب الزبيري (١٥٠)، و"جمهرة أنساب العرب" لابن حزم (٧٤)، و"الإصابة" لابن حجر (٤/ ٣١٠) وغيرها.
    أمّا سمرة بن جندب فهو ابن هلال بن حريج الفزاري، وكان من حلفاء الأنصار. انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم (٢٥٩)، و"الإصابة" لابن حجر (٣/ ١٧٨ - ١٧٩) وغيرها.
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي