في الخصال المنجية، والترهيب من الخلال المردية"، وبنى كتابه عليه وجعله شرحًا له، وقال: هذا حديث حسن جدًّا، رواه عن سعيد بن المسيب: عمر بن ذر، وعلي بن زيد بن جدعان، وهلال أبو جبلة.
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يعظِّم شأن هذا الحديث، وبلغني عنه أنه كان يقول: شواهد الصحة عليه١.
والمقصودُ منه قوله ﷺ: "ورأيت رجلًا من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله ﷿، فطرد الشياطين عنه"، فهذا مطابق لحديث الحارث الأشعري الذي شرحناه في هذه الرسالة.
وقوله فيه: "وأمَرَكُم بذكر الله ﷿، وإن مَثَلَ ذلك كمَثَل رجل طلبه العدو، فانطلقوا في طلبه سِراعًا، وانطلق حتى أتى حصنًا حَصِينًا، فأحرز نفسه فيه".
= لحمل مثل هذا المتن. وفي إعراض أصحاب الصحيح -بل وأصحاب الكتب المصنفة على الأبواب، وأحمد وغيره من أصحاب المسانيد- عن تخريجه مع شهرته وكونه في الفضائل، وإعلالِ الأئمة لبعض طرقه -كما مرَّ-، وتجنُّب الحفاظ الثقات روايتَه، وتفرُّدِ الضعفاء والمجاهيل به = ما يرجِّح القول بضعفه وعدم صحته. وقد مال المصنِّفُ رحمه الله تعالى إلى تقويته هنا وفي "الروح"، ونقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية نحو ذلك، وهذا -مع عدم وقوفي على من حرّر القول في الحديث- هو الذي دعاني إلى تتبع طرقه والنظر فيها، وأرجو أن أكون قد وُفِّقْتُ في ذلك إلى الصواب.
(١) وانظر: "الروح" للمصنّف (٢٨٦).
فكذلك الشيطان لا يُحْرِزُ العبادُ أنفسَهم منه إلا بذكر الله ﷿.
وفي الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "من قال -يعني إذا خرج من بيته-: بسم الله، توكَّلْتُ على الله، لا حَوْلَ ولا قُوَّة إلا بالله؛ يقال له: كُفِيتَ وهُدِيتَ ووُقِيتَ، وتَنَحَّى عنه الشيطان، فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدِيَ وكُفِيَ وَوُقِيَ؟ ". ورواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال: حديث حسن١.
وقد تقدم قوله ﷺ: "مَنْ قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير = كانت له حِرْزًا من الشيطان حتى يُمسِي"٢.
وذكر سفيان عن أبي الزبير، عن عبد الله بن ضمرة، عن كعب قال: إذا خرج الرجل من بيته فقال: "بِسْمِ اللهِ" قال المَلَكُ: هُدِيتَ، وإذا قال: "توكَّلْتُ على الله" قال المَلَكُ: كُفِيت، وإذا قال: "لا حَوْلَ ولا قوّة إلا بالله" قال المَلَكُ: حُفِظْت. فيقول الشياطين بعضهم لبعض: ارجعوا، ليس لكم عليه سبيل، كيف لكم بمن كُفِيَ وهُدِيَ وحُفِظ؟ "٣.
وقال أبو خلاد البصري٤: من دخل في الإسلام دخل في حِصْن،
(١) سيأتي تخريجه (ص: ٢٠٦).
(٢) انظر: (ص: ١٠٢).
(٣) أخرجه معمر في "الجامع" (١١/ ٣٢ - ٣٣ مصنف عبد الرزاق)، وابن أبي شيبة في "المصنّف" (١٠/ ٢٠٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٣٨٩) بإسناد صحيح.
(٤) كذا في (ت) و(م) واضحة مجوّدة، وفي (ح) و(ق): المصري. والخبر لم أقف عليه.