ومواقع فضلِه على عبيده، وهذا أيضًا من أجلِّ أنواع الذِّكر.
فهذه خمسة أنواع١.
وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر.
وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية.
وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة.
فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان٢. وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده؛ لأن ذكر القلب يُثْمِرُ المعرفة، ويهيِّج المحبة، ويُثِيرُ الحياء، ويَبْعَثُ على المخافة، ويدعو إلى المراقبة، ويَرْدَع عن التقصير في الطاعات، والتهاون في المعاصي والسيئات، وذِكْرُ اللسان وحده لا يوجب شيئًا من ذلك الإثمار٣، وإن أثمر شيئًا منها فثمرتُه ضعيفة٤.
(١) النوع الأوّل: ذكر أسماء الرب وصفاته، وتحته نوعان. والنوع الثاني: ذكر أمره ونهيه، وتحته نوعان. والخامس: ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه.
(٢) من قوله "تارة وذلك أفضل الذكر" إلى هنا، ساقط من (ت) بسبب انتقال نظر الناسخ. وانظر: "روضة المحبّين" للمصنِّف (٣٣٨).
(٣) (ح) و(ق): "هذه الآثار".
(٤) (ح) و(ق): "فثمرة ضعيفة".
الفصل الثاني
الذكر أفضل من الدعاء؛ لأن الذكر ثناءٌ على الله ﷿ بجميل أوصافه وآلائه وأسمائه، والدعاءُ سؤال العبد حاجته، فأين هذا من هذا؟!١.
ولهذا جاء فى الحديث: "مَنْ شَغَلَه ذِكْرِي عَنْ مَسْألتي أعْطَيْتُه أفضلَ مَا أُعْطِي السَّائلِينَ"٢.
ولهذا كان المُسْتَحَبُّ في الدعاء أن يبدأ الداعي بحمد الله تعالى، والثناء عليه٣ بين يدي حاجته، ثم يسأل حاجته. كما في حديث فضالة بن عبيد، أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يدعو في صلاته لم يحمد الله تعالى ولم يُصَلِّ على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "لقد عجل هذا"، ثم دعاه فقال له أو لغيره: "إذا صلى أحدُكُم فلْيَبْدَأْ بتحميد ربّه ﷿ والثّناء عليه، ثم يصلّي على النبي ﷺ، ثم يدعو بَعْدُ بما شاء"٤.
(١) انظر: "زاد المعاد" (١/ ٢٠٦)، و"الكلام على دعوة ذي النون" (١٠/ ٢٦٣ - مجموع الفتاوى)، و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٣٨٤ فما بعدها)، و"الدعاء ومنزلته من العقيدة الإسلامية" لجيلان العروسي (١/ ١٣٣ - ١٤٥).
(٢) تقدم تخريجه (ص: ١٠٠).
(٣) في بعض الطبعات هاهنا زيادة "ويصلّي على النبي ﷺ، وليست في الأصول التي بين يديّ.
(٤) أخرجه أبو داود (١٤٧٦)، والترمذي (٣٤٧٧)، والنسائي (١٢٨٣)، وأحمد (٧/ ٩٢٨ - ٩٢٩) وغيرهم. وصححه الترمذيّ، وابن خزيمة (٧٠٩، ٧١٠)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (١/ ٢٣٠) على شرط مسلم، وفي (١/ ٢٦٨) على شرط الشيخين، وقال: "لا =