الوابل الصيب

وروى أبو داود، والنسائي من حديث أنسٍ أنه كان مع النبي ﷺ جالسًا ورجلٌ يصلي، ثم دعا: "اللَّهُمَّ إني أسألك بأن لك الحمد، لا إله إلا أنت، المنان، بديع السموات والأرض، ياذا الجلال والإكرام، يا حيُّ يا قيُّومُ"؛ فقال النبي ﷺ: "لقد دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا دُعِي به أجاب، وإذا سُئلَ به أعطى"١.

فأخبر النبي ﷺ أن الدعاء يستجاب إذا تَقَدَّمه هذا الثناء والذكر، وأنه اسم الله الأعظم، فكان ذكر الله ﷿ والثناء عليه أنجحَ ما طلب به العبدُ حوائجَه.

وهذه فائدة أخرى من فوائد الذكر والثناء، أنه يجعل الدعاء مستجابًا.

فالدعاء الذي يَتَقدَّمه الذكر والثناء أفضل وأقرب إلى الإجابة من

  1. = (٧/ ١٢٥ - ١٢٦)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وأحمد (٧/ ٦١٩) وغيرهم.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"، وصححه ابن حبان (٨٩١، ٨٩٢)، والحاكم (١/ ٥٠٤) على شرط الشيخين، ولم يتعقبه الذهبي، وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٢/ ٤٨١):
    "قال شيخنا أبو الحسن المقدسي: وإسناده لا مطعن فيه، ولم يرد في هذا الباب حديث أجود إسنادًا منه".
  2. (١) أخرجه أبو داود (١٤٨٨)، والترمذي (٣٤٧٥)، والنسائي (١٢٩٩)، وأحمد (٤/ ٤٠٧ - ٤٠٨) وغيرهم.
    وصحّحه ابن حبان (٨٩٣)، والحاكم (١/ ٥٠٣ - ٥٠٤) على شرط مسلم، ولم يتعقبه الذهبي.
225

الدعاء المجرد، فإِن انضاف إلى ذلك إخبار العبد بحاله ومسكنته، وافتقاره واعترافه كان أبلغ في الإجابة وأفضل؛ فإنه يكون قد تَوَسَّل إلى المَدْعُوِّ بصفات كماله وإحسانه وفضله، وعرَّض بل صَرَّح بشدة حاجته١ وضرورته، وفقره ومسكنته، فهذا المُقْتَضِي منه، وأوصافُ المسؤول مُقْتَضِي من الله، فاجتمع المُقْتَضِي من السائل، والمُقْتَضِي من المسؤول في الدعاء، فكان أبلغ وألطف موقعًا، وأَتَمَّ معرفةً وعبودية.

وأنت ترى في الشاهد -ولله المثل الأعلى- أن الرجل إذا توسَّل إلى من يريد معروفه بكرمه وجوده وبِرِّه، وَذَكَرَ حاجته هو، وفقره ومسكنته؛ كان أعطف لقلب المسؤول، وأقرب لقضاء حاجته.

فإذا قال له: أنت جودك قد سارت به الركبان، وفضلك كالشمس لا ينكر٢، ونحو ذلك، وقد بلغت بي الحاجة والضرورة مبلغًا لا صَبْرَ معه، ونحو ذلك = كان ذلك أبلغ في قضاء حاجته من أن يقول ابتداءً: أعطني كذا وكذا.

فإذا عرفت هذا، فتأمل قول موسى ﵇ في دعائه: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ ﴿القصص: ٢٤﴾، وقول ذي النون ﵇ في دعائه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ٨٧﴾

  1. (١) (ت) و(م): "بشدة حاله".
  2. (٢) (م) و(ح): "لا تنكر".
226

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي