الوابل الصيب

[الأنبياء: ٨٧]، وقول أبينا آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ٢٣﴾ [الأعراف: ٢٣].

وفي "الصحيحين": أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: يا رسول الله! علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: "قل: اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا١، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من

  1. (١) وفي روايةٍ عند مسلم، وأحمد (١/ ٤): "كبيرًا".
    قال النوويُّ في "الأذكار" (١/ ١٩٦)، و(٢/ ٩٣٧):
    "هكذا ضبطناه: "ظلمًا كثيرًا" بالثاء المثلثة، في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم: "كبيرًا" بالباء الموحَّدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يُجْمَع بينهما، فيُقال: "ظلمًا كثيرًا كبيرًا".
    وفيما ذهب إليه النوويُّ رحمه الله تعالى من القول بالجمع بين هذين اللّفظين في الذكرِ نظرٌ بيِّن.
    قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٤٥٨) -:
    "ومن المتأخرين من سلك في بعض هذه الأدعية والأذكار التي كان النبي ﷺ يقولها ويعملها بألفاظٍ متنوعة، ورُوِيت بألفاظٍ متنوعة = طريقةً محدثة، بأنْ جمع بين تلك الألفاظ، واستحبَّ ذلك، ورأى ذلك أفضل ما يُقال فيها.
    مثاله: الحديث الذي في الصحيحين عن أبي بكر الصّدّيق ﵁ أنه قال:. . . (فذكر الحديث)، ثم قال: قد رُوِيَ "كثيرًا"، ورُوِيَ "كبيرًا". فيقول هذا القائل: يستحب أن يقول: "كثيرًا كبيرًا"،. . . وأمثال ذلك، وهذه طريقةٌ محدثةٌ لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين. . .".
    وقال -أيضًا- بعد أن ذكر أنّ بعضهم استحب الجمع بالصفة المتقدمة:
    ". . . فإنّ هذا ضعيف، فإنّ هذا أولًا ليس سنة، بل خلاف المسنون، فإن النبي ﷺ لم يقل ذلك جميعه جميعًا، وإنما كان يقول هذا تارة، وهذا تارة -إن كان الأمران ثابتين عنه- فالجمعُ بينهما ليس بسنة". "مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٤٣). =
227

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  1. = وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦٦ - ٦٩، ٣٣٥، ٣٣٧، ٤٥٨ - ٤٦٠)، و(٢٤/ ٢٤٢ - ٢٥٢).
    وقال ابن كثير في "تفسيره" (٦/ ٢٨٦٣) بعد إيراده هذا الحديث:
    "واستحبّ بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة".
    وقال المصنّف في "جلاء الأفهام" (٤٥٣ - ٤٦٢) في ذكر قاعدةٍ في هذه الدعوات والأذكار التي رُوِيت بألفاظٍ مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهّدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظُها،. . .:
    "قد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقةً في بعضها، وهو أنّ الدّاعي يستحبُّ له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ للدّاعي بدعاء الصديق ﵁ أنه يقول: "اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا كبيرًا". . .، قال: ليصيب ألفاظ النبي ﷺ يقينًا فيما شك فيه الراوي، ولتجتمع له ألفاظ الأدعية الأُخر فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا: هذا ضعيف من وجوه:
    أحدها: أن هذه طريقة محدثة، لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
    الثاني: أنّ صاحبها إنْ طردها لزمه أن يَسْتَحِبَّ للمصلّي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهّدات. . .، وهذا باطل قطعًا؛ فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم، وهو بدعة. وإن لم يطردها تَناقَضَ وفرَّق بين متماثِلَيْن.
    الثالث: أن صاحبها ينبغي أن يستحب للمصلّي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوّعة في التلاوة في الصلاة وخارجها. قالوا: وهذا معلومٌ أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبّر، وإنما يفعل ذلك القرّاء أحيانًا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات،. . . لا تعبُّدٌ يستحب لكل قارئٍ وتالٍ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرفٍ شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي