الوابل الصيب

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

  1. = وانظر: "مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦٦ - ٦٩، ٣٣٥، ٣٣٧، ٤٥٨ - ٤٦٠)، و(٢٤/ ٢٤٢ - ٢٥٢).
    وقال ابن كثير في "تفسيره" (٦/ ٢٨٦٣) بعد إيراده هذا الحديث:
    "واستحبّ بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة".
    وقال المصنّف في "جلاء الأفهام" (٤٥٣ - ٤٦٢) في ذكر قاعدةٍ في هذه الدعوات والأذكار التي رُوِيت بألفاظٍ مختلفة، كأنواع الاستفتاحات، وأنواع التشهّدات في الصلاة، وأنواع الأدعية التي اختلفت ألفاظُها،. . .:
    "قد سلك بعض المتأخرين في ذلك طريقةً في بعضها، وهو أنّ الدّاعي يستحبُّ له أن يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة، ورأى ذلك أفضل ما يُقال فيها، فرأى أنه يستحبّ للدّاعي بدعاء الصديق ﵁ أنه يقول: "اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا كبيرًا". . .، قال: ليصيب ألفاظ النبي ﷺ يقينًا فيما شك فيه الراوي، ولتجتمع له ألفاظ الأدعية الأُخر فيما اختلفت ألفاظها. ونازعه في ذلك آخرون، وقالوا: هذا ضعيف من وجوه:
    أحدها: أن هذه طريقة محدثة، لم يسبق إليها أحد من الأئمة المعروفين.
    الثاني: أنّ صاحبها إنْ طردها لزمه أن يَسْتَحِبَّ للمصلّي أن يستفتح بجميع أنواع الاستفتاحات، وأن يتشهد بجميع أنواع التشهّدات. . .، وهذا باطل قطعًا؛ فإنه خلاف عمل الناس، ولم يستحبه أحد من أهل العلم، وهو بدعة. وإن لم يطردها تَناقَضَ وفرَّق بين متماثِلَيْن.
    الثالث: أن صاحبها ينبغي أن يستحب للمصلّي والتالي أن يجمع بين القراءات المتنوّعة في التلاوة في الصلاة وخارجها. قالوا: وهذا معلومٌ أن المسلمين متفقون على أنه لا يستحب ذلك للقارئ في الصلاة ولا خارجها إذا قرأ قراءة عبادة وتدبّر، وإنما يفعل ذلك القرّاء أحيانًا ليمتحن بذلك حفظ القارئ لأنواع القراءات،. . . لا تعبُّدٌ يستحب لكل قارئٍ وتالٍ، ومع هذا ففي ذلك للناس كلام ليس هذا موضعه، بل المشروع في حق التالي أن يقرأ بأي حرفٍ شاء، وإن شاء أن يقرأ بهذا مرة وبهذا
228

عندك وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم"١.

فجمع في هذا الدعاء الشريفِ العظيمِ القدْرِ بين الاعتراف بحاله، والتَّوسُّلِ إلى ربه ﷿ بفضله وجوده، وأنه المنفرد بغفران الذنوب،

  1. = مرة جاز ذلك. وكذلك الدّاعي إذا قال: "اللَّهُمَّ إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا" مرّةً، ومرّة قال: "كبيرًا" جاز ذلك.
    الرابع: أن النبي ﷺ لم يجمع بين تلك الألفاظ المختلفة في آنٍ واحد، بل إمّا أن يكون قال هذا مرة، وهذا مرة، كألفاظ الاستفتاح. . .، فاتباعه ﷺ يقتضى أن لا يجمع بينهما، بل يُقال هذا مرة، وهذا مرة. وإمّا أن يكون الراوي قد شكّ في أيّ الألفاظ قال، فإن ترجّح عند الداعي بعضها صار إليه، وإن لم يترجّح عنده بعضها كان مخيَّرًا بينهما، ولم يُشْرَع له الجمع: فإنّ هذا نوعٌ ثالث لم يُرْوَ عن النبي ﷺ، فيعود الجمع بين تلك الألفاظ في آنٍ واحد على مقصود الدّاعي بالإبطال؛ لأنه قصد متابعة الرسول ﷺ فَفَعَل ما لم يَفْعَلْهُ قطعًا!.
    الخامس: أن المقصود إنما هو المعنى، والتعبير عنه بعبارةٍ مؤدِّيةٍ له، فإذا عُبِّر عنه بإحدى العبارتين حصل المقصودُ، فلا يجمع بين العبارات المتعدّدة.
    السادس: أن أحد اللفظين بدل عن الآخر، فلا يستحب الجمع بين البدل والمُبْدَل معًا، كما لا يستحب ذلك في المبدلات التي لها أبدال".
    وبنحو هذا تعقَّب ابنُ جماعة والزركشيُّ النوويَّ فيما ذهب إليه.
    انظر: "الفتوحات الربانية" (٣/ ١٦).
    وانظر -أيضًا-: "القواعد" لابن رجب (١/ ٧٣ - ٩٠)، و"فتح الباري" لابن حجر (١١/ ١٦٢ - ١٦٣).
    وإنما أطلتُ في نقل كلام أهل العلم حول هذه المسألة؛ لعلاقتها الوثيقة بموضوع الكتاب، ولحاجة القارئ إليها.
  2. (١) "صحيح البخاري" (٨٣٤، ٦٣٢٦، ٧٣٨٨)، و"صحيح مسلم" (٢٧٠٥).
229

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي