فَلِلْعَيْنِ موضع، ولِلرِّجْل موضع، وللماء موضع، ولِلَّحْمِ موضع، وحفظُ المراتب هو من تمام الحكمة التي هي نِظامُ الأمر والنهي، والله تعالى الموفق.
وهكذا الصابون والأُشنان أنفع للثوب في وقتٍ، والتجميرُ وماءُ الورد١ أنفع له في وقت.
وقلت لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى يومًا: سُئِل بعض أهل العلم٢: أيما أنفع للعبد، التسبيح أو الاستغفار؟ فقال: إذا كان الثوب نقيًّا فالبخور وماء الورد أنفع له، وإن كان دَنِسًا فالصابون والماء الحارُّ أنفع له. فقال لي رحمه الله تعالى: فكيف والثياب لا تزال دَنِسة؟!.
= (١٧/ ١٣٢ - ١٣٣، ١٣٩ - ١٤٠ مجموع الفتاوى)، و"قاعدة في توحُّد الملّة وتعدُّد الشرائع" (١٩/ ١٢٠ - ١٢١ مجموع الفتاوى)، و"الكلام على دعوة ذي النون" (١٠/ ٢٦٣ - ٢٦٤ مجموع الفتاوى)، و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ٤٢٧)، و(١١/ ٣٩٩، ٦٦٠)، و(٢٢/ ٣٠٩، ٣٤٧ - ٣٤٨، ٣٨٨، ٣٩٥)، و(٧/ ٦٥٢)، و(٢٣/ ٦٢ - ٦٣) مهم، و(٢٤/ ١٩٨، ٢٣٦ - ٢٣٩). وانظر: "قواعد الأحكام" للعز بن عبد السلام (٢/ ٣٣٠ - ٣٣٢، ٣٦٦).
(١) (م) و(ق): "وماء الورد ونحوه أنفع"، وتحرّفت في (ح) إلى: "وماء الورد وكوة أنفع"!، وفي بعض المطبوعات: "وماء الورد وكيُّه".
(٢) هو أبو الفرج بن الجوزي. انظر: "ذيل الروضتين" لأبي شامة (٢٢)، و"سير أعلام النبلاء" (٢١/ ٣٧١)، و"ذيل طبقات الحنابلة" لابن رجب (١/ ٤٢١)، و"غذاء الألباب" (٢/ ٣٧٨)، و"نتائج الأفكار في شرح حديث سيّد الاستغفار" للسفاريني (١٤٩).
ومن هذا الباب: أن سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ١﴾ تعدل ثلث القرآن، ومع هذا فلا تقوم مقام آيات المواريث، والطلاق، والخُلْع، والعِدَد، ونحوها، بل هذه الآيات في وقتها وعند الحاجة إليها أنفع من تلاوة سورة الإخلاص.
ولمّا كانت الصلاة مشتملة على القراءة والذكر والدعاء، وهي جامعةٌ لأجزاء العبودية على أتم الوجوه = كانت أفضل من كُلٍّ من القراءة والذكر والدعاء بمفرده؛ لجمعها ذلك كلِّه مع عبوديةِ سائر الأعضاء.
فهذا أصل نافع جدًّا، يُفْتَح للعبد به بابُ معرفةِ١ مراتب الأعمال وتَنْزِيلها منازلها؛ لئلا يشتغل بمفضولها عن فاضلها، فيربح عليه إبليسُ الفضلَ الذي بينهما، أو ينظر إلى فاضلها فيشتغل به عن مفضولها -وإن كان ذلك وقته٢ - فتفوته مصلحته بالكلية؛ لظنه أن اشتغاله بالفاضل٣ أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا.
وهذا يحتاج إلى معرفةٍ بمراتب الأعمال، وتفاوتها، ومقاصدها، وفِقْهٍ في إعطاء كل عمل منها حقه، وتنزيله في مرتبته، وتفويتِه لما هو أهمُّ منه، أو تفويت ما هو أولى منه وأفضل؛ لإمكان تداركه والعَوْدِ إليه،
(١) (ح) و(ق): "يفتح للعبد باب معرفة".
(٢) (م) "أو ينظر إلى فاضلها وحده فيشتغل عن مفضولها وإن كان ذلك في وقته".