الفصل الثاني والخمسون: في الرَّجُلِ إذا خَدِرت رِجْلُه
عن الهيثم بن حنش قال: كنا عند عبد الله بن عمر ﵄، فخَدِرَت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك، فقال: يا محمد!١، فكأنما نَشِط من عقال٢.
(١) كذا في (ت) و(م) و(ق) و"عمل اليوم والليلة" لابن السني، وفي (ح): "فقال: محمد".
(٢) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٧١) بإسنادٍ ضعيف. ورُوِي من وجهٍ آخر. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (٩٦٤)، والحربيُّ في "غريب الحديث" (٢/ ٦٤٧)، وأبو القاسم البغوي في "حديث علي بن الجعد" (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، ومن طريقه المزي في "تهذيب الكمال" (١٧/ ١٤٢)، وابن سعد في "الطبقات" (٤/ ١٥٤)، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٦٩). وفيه أبو إسحاق السبيعي، ثقةٌ يدلِّس، ولم أجد له سماعًا من شيخه. وشيخه "عبد الرحمن بن سعد" فيه جهالة، وقال الذهبي: "لا يُعْرَف". وإن اعتبره ابن أبي حاتم -وتبعه المزي وابن حجر- هو مولى ابن عمر الكوفي، إلا أن جواب ابن معينٍ فيه يُورِدُ احتمالًا أن يكون غيره، ويُصَدِّقُ قولَ الذهبي، خاصة أن أبا إسحاق معروفُ الرواية عن المجهولين. انظر: "التاريخ" ليحيى بن معين (٤/ ٢٤ - رواية الدوري)، و"لسان الميزان" لابن حجر (٧/ ٥١). ولفظ رواية البخاري: "اذكر أحبّ الناس إليك. فقال: محمد"، بدون (يا) النداء. وهي في رواية الباقين. وعلى فرض ثبوت الخبر؛ فهذا الفعلُ جارٍ على عادةٍ من عادات العرب في الجاهلية، كان الرجلُ منهم إذا خدرت رجله ذكَر من يُحِبُّ، أو دعاهُ؛ فيذهب =
وعن مجاهد ﵀ قال: خَدِرَتْ رِجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس ﵄، فقال: اذكر أحب الناس إليك، فقال: محمد ﷺ، فذهب خَدَرُه١.
= خَدَرُها. ووردت الإشارة إليها كثيرًا في أشعارهم. انظر: "الأغاني" (٧/ ٣٨، ٨/ ١٢٧، ٩/ ١٨٧، ٢٣/ ٣٨٩ ط الثقافة)، و"صبح الأعشى" (١/ ٤٦٣ - ٤٦٤)، و"بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب" للآلوسي (٢/ ٣٢٠ - ٣٢١) وغيرها. وقيل في تفسير ذلك: إنّ ذِكْرَ المرء لمحبوبه يُحَرِّكُ الحرارة الغريزيَّة في بدنه، ويُنْعِشُها؛ فتتحرّك أعصاب رجله، فيذهب خَدَرُها. انظر: "شرح الشفاء" للخفاجي (٣/ ٣٥٥). وليس ذلك من الاستغاثة والطّلب في شيءٍ كما ترى. وانظر: تعليق الشيخ العلّامة محمد بهجة الأثري على "بلوغ الأرب" للآلوسي، و"الردّ على شبهات المستغيثين بغير الله" لابن عيسى (٩٥ - ٩٦)، و"هذه مفاهيمنا" للشيخ صالح آل الشيخ (٤٤ - ٤٧)، و"فرقة الأحباش" للدكتور سعد الشهراني (١/ ٢٩٥ - ٣٠٠). وهذا التقرير أحسن ممّا ورد في "مجموعة الرسائل والمسائل النجدية" (٢/ ٣/ ١٩٩). ولما تقدَّم؛ فلا أرى وجهًا لإيراد هذا الباب في كتب الأذكار، وسياقه ضمن أبواب الأدعية والأوراد التي تُقال على جهة التعبُّد. والمصنفُ رحمه الله تعالى تابَع في إيراده "الكلم الطيب"، وهو تبع "الأذكار" للنووي. وقد تعلَّق بذلك بعض المبتدعة، كشأنهم في الإعراضِ عن نصوص الوحي المحكمة الواضحة، والتعلُّقِ بالأخبار والحكايات الواهية. ومضى بيان معنى الأثر على فرض ثبوته -وهو غير ثابت-، وعدم دلالته على المعنى الذي يذهبون إليه.
(١) أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٧٠) بإسنادٍ شديد الضعف.