والذين قالوا: لابد من إعلامه؛ جعلوا الغيبة كالحقوق المالية، والفرقُ بينهما ظاهر، فإن في الحقوق المالية٣ ينتفع المظلوم بعَوْدِ نظير مظلمته إليه، فإن شاء أخذها، وإن شاء تصدق بها.
وأما في الغيبة، فلا يُمْكِنُ ذلك، ولا يَحْصُلُ له بإعلامه إلا عكس مقصود الشارع، فإنه يُوغِرُ صدره ويؤذيه إذا سمع ما رُمِيَ به، ولعله يُنْتِجُ عداوته٤، ولا يصفو له أبدًا، وما كان هذا سبيله فإن الشارع الحكيم لا يبيحه ولا يُجَوِّزُه، فضلًا عن أن يوجبه ويأمر به، ومدار الشريعة على تعطيل المفاسد وتقليلها، لا على تحصيلها وتكميلها، والله تعالى أعلم.
الفصل السادس والستون: فيما يُقال ويُفْعَل عند كسوف الشمس وخسوف القمر
في "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قالى: "إن الشمس والقمر لا يخسفان لموت أحدٍ ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبِّروا وتصدقوا"١.
وفي "صحيح مسلم" عن عبد الرحمن بن سمرة قال: بينا أنا أرمي بِأَسْهُمٍ لي في حياة رسول الله ﷺ، إذْ كسفت الشمس، فَنَبَذْتُهُنَّ وقلت: لأنظرنَّ ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشمس اليوم، فانتهيت إليه وهو رافع يديه يسبح ويحمد ويُهَلِّلُ ويدعو، حتى حُسِرَ عن الشمس، فقرأ بسورتين وركع ركعتين٢.
والنبي ﷺ أمر في الكسوف بالصلاة، والعَتاقة، والمبادرة إلى ذكر الله تعالى، والصدقة؛ فإن هذه الأمور تدفع أسباب البلاء.