الوابل الصيب

فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ [سبأ: ٢٠، ٢١]، فلم يجعل لعدوه سلطانًا على عباده المؤمنين؛ فإنهم في حِرْزه وكلاءته، وحفظه، وتحت كَنَفِه، وإنْ اغتال عدوُّه أحدَهم كما يغتال اللصُّ الرجلَ الغافل، فهذا لابد منه؛ لأن العبد قد بُلِي بالغفلة والشهوة والغضب.

ودخولُه على العبد من هذه الأبواب الثلاثة، ولو احترز العبد ما احترز، فلابد له من غفلة، ولابد له من شهوة، ولابد له من غضب، وقد كان آدم أبو البشر ﷺ من١ أحلم الخلق، وأرجحهم عقلًا، وأثبتهم٢، ومع هذا فلم يزل به عدوُّ الله حتى أوقعه فيما أوقعه فيه، فما الظن بِفَراشَةِ الحِلْمِ٣، ومَنْ عَقْلُه في جنب عقل أبيه كتفلةٍ في بحر؟!

ولكنّ عدو الله لا يَخْلُصُ إلى المؤمن إلا غِيلةً على غِرّةٍ وغفلة، فَيُوقِعُه، ويظن أنه لا يستقيل٤ ربه ﷿ بعدها، وأن تلك الواقعة قد اجتاحته وأهلكته، وفضلُ الله تعالى ورحمته وعفوه ومغفرته

  1. (١) "مِن" من (ح)، وفي (ق): "أحكم الخلق وأرجحهم وأثبتهم".
  2. (٢) "وأثبتهم" من (ح) و(م) و(ق).
  3. (٣) (ت) و(م): "بفراش الحلم".
    والعربُ تضربُ بالفَراشِ المثلَ في خِفَّة الحِلْم، كما تراه في "ثمار القلوب" للثعالبي (٢/ ٧٣١).
    وقد ورد هذا التركيب: "فراشة الحِلْم" في بيتٍ اختُلِفَ في نِسْبته. انظره في: "تاريخ الطبري" (٧/ ٤٣٤)، و"المستقصى" (١/ ١٢) للزمخشري.
  4. (٤) كذا في الأصول التي بين يديّ: "يستقيل" (بالياء)، ولعلّه الصواب، وفي مطبوعات الكتاب التي وقفتُ عليها: "يستقبل".
8

من١ وراء ذلك كلّه.

فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له بابًا من أبواب التوبة، والندم، والانكسار، والذل، والافتقار، والاستغاثة به٢، وصِدْقِ اللَّجأ إليه، ودوام التضرع، والدعاء، والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات = ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوقِعْهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يَدْخُلُ به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، خائفًا منه مُشفِقًا وَجِلًا باكيًا نادمًا٣، مستحيًا من ربه تعالى، ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له٤؛ فيكون ذلك الذنب سبب سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب٥ أنفع له من

  1. (١) (ح) و(ت) و(ق): "ومغفرته وراء ذلك كلّه".
  2. (٢) (ح): "والاستعانة به".
  3. (٣) "نادمًا" من (ح) و(ق).
  4. (٤) روى الإمام أحمد في "الزهد" (٣٩٧)، وابن المبارك في "الزهد" (١٦٢) من مرسل الحسن البصري: "إن العبد ليُذْنِب الذّنب فيدخل به الجنة. قيل: كيف؟ قال: يكون نصْب عينيه ثابتًا قارًّا حتى يدخل الجنة".
    وجاء هذا المعنى من قول أبي موسى وأبي أيوب ﵄، ومن قول الحسن وأبي حازم.
    انظر: "الزّهد" لهنّاد (٩١٠، ٩١١)، ولابن المبارك (١٦٣، ١٦٤)، ولأحمد (٢٧٧)، و"الحلية" لأبي نعيم (٣/ ٢٤٢)، و(٧/ ٢٨٨)، و"شعب الإيمان" للبيهقي (١٢/ ٥٣٢).
  5. (٥) من قوله: "سبب سعادة العبد" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ح) و(ق).
9

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي