الوابل الصيب

من١ وراء ذلك كلّه.

فإذا أراد الله بعبده خيرًا فتح له بابًا من أبواب التوبة، والندم، والانكسار، والذل، والافتقار، والاستغاثة به٢، وصِدْقِ اللَّجأ إليه، ودوام التضرع، والدعاء، والتقرب إليه بما أمكن من الحسنات = ما تكون تلك السيئة به سبب رحمته، حتى يقول عدو الله: يا ليتني تركته ولم أُوقِعْهُ.

وهذا معنى قول بعض السلف: إن العبد ليعمل الذنب يَدْخُلُ به الجنة، ويعمل الحسنة يدخل بها النار، قالوا: كيف؟ قال: يعمل الذنب فلا يزال نصْبَ عينيه، خائفًا منه مُشفِقًا وَجِلًا باكيًا نادمًا٣، مستحيًا من ربه تعالى، ناكس الرأس بين يديه، منكسر القلب له٤؛ فيكون ذلك الذنب سبب سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب٥ أنفع له من

  1. (١) (ح) و(ت) و(ق): "ومغفرته وراء ذلك كلّه".
  2. (٢) (ح): "والاستعانة به".
  3. (٣) "نادمًا" من (ح) و(ق).
  4. (٤) روى الإمام أحمد في "الزهد" (٣٩٧)، وابن المبارك في "الزهد" (١٦٢) من مرسل الحسن البصري: "إن العبد ليُذْنِب الذّنب فيدخل به الجنة. قيل: كيف؟ قال: يكون نصْب عينيه ثابتًا قارًّا حتى يدخل الجنة".
    وجاء هذا المعنى من قول أبي موسى وأبي أيوب ﵄، ومن قول الحسن وأبي حازم.
    انظر: "الزّهد" لهنّاد (٩١٠، ٩١١)، ولابن المبارك (١٦٣، ١٦٤)، ولأحمد (٢٧٧)، و"الحلية" لأبي نعيم (٣/ ٢٤٢)، و(٧/ ٢٨٨)، و"شعب الإيمان" للبيهقي (١٢/ ٥٣٢).
  5. (٥) من قوله: "سبب سعادة العبد" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ح) و(ق).
9

طاعات كثيرةٍ؛ بما ترتب عليه من هذه الأمور التي بها سعادة العبد وفلاحه، حتى يكون ذلك الذنب سبب دخوله الجنة.

ويفعل الحسنة فلا يزال يَمُنُّ بها على ربه، ويتكبر بها، ويَرى نفسه، ويعجب بها، ويستطيل بها، ويقول: فعلتُ، وفعلتُ؛ فيورثه ذلك١ من العجب والكِبْر، والفخر والاستطالة، ما يكون سبب هلاكه. فإذا أراد الله تعالى بهذا المسكين خيرًا ابتلاه بأمرٍ يَكْسِرُه به، ويُذِلُّ به عُنُقَه، ويُصَغِّرُ به نَفْسَه عنده. وإن أراد به غير ذلك، خَلَّاهُ وعُجْبَه وكِبْره، وهذا هو الخذلان الموجب لهلاكه؛ فإن العارفين كلهم مجمعون على أن التوفيق: أن لا يكِلَك الله تعالى إلى نفسك، والخذلان: أن يَكِلَكَ الله تعالى إلى نفسك٢.

فمن أراد الله به خيرًا فتح له باب الذل والانكسار، ودوام اللَّجَأِ إلى الله تعالى، والافتقار إليه، ورؤية عيوب نفسه، وجهلها، وظلمها، وعدوانها، ومشاهدة فضل ربه، وإحسانه، ورحمته٣، وجوده، وبِرّه، وغِناه، وحمده.

فالعارف سائر إلى الله تعالى بين هذين الجناحين، لا يمكنه أن يسير إلا بهما، فمتى فاته واحد منهما، فهو كالطير الذي فقد أحد جناحيه.

قال شيخ الإسلام٤: "العارف يسير إلى الله بين مشاهدة المِنَّة،

  1. (١) "ذلك" من (م).
  2. (٢) من قوله: "والخذلان" إلى هنا، ساقط من (ت).
  3. (٣) "ورحمته" من (ح).
  4. (٤) كذا في (ت) و(ح) و(ق) وهو الصواب، والمراد به: أبو إسماعيل الهروي =
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي