الوابل الصيب

ومطالعة عيب النفس والعمل".

وهذا معنى قوله ﷺ في الحديث الصحيح، حديثِ "سَيِّدُ الاستغفار أن يقول العبد: اللَّهم أنت ربي لا إله إلا أنتَ، خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدِك ووعدِك ما استطعتُ، أعوذُ بكَ من شَرِّ ما صنعتُ، أبوء لكَ بنعمتِك عليَّ وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنَّه لا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ"١.

فجمع في قوله ﷺ: "أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي" بين مشاهدة المنّة، ومطالعة عيب النفس والعمل.

فمشاهدةُ المنة توجب له المحبة والحمد والشكر لوليِّ النعم

  1. = الأنصاري (ت: ٤٨١)، صاحبُ "منازل السائرين"، وعبارته هذه فيه (ص: ١١ - تحقيق: دي لوجييه). وانظر: "مدارج السالكين" (١/ ٢٤٣).
    وقد عزا ابن القيّم هذه العبارة صراحةً إلى أبي إسماعيل الأنصاري في "شفاء العليل" (١/ ٨٨)، وكذا فعل شيخ الإسلام ابن تيمية في "رسالة في تحقيق الشكر" (١/ ١١٦ - جامع الرسائل).
    ووقع في (م) -وهي نسخة متأخّرة-: "شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه".
    وهذا اجتهادٌ من الناسخ أخطأ فيه، ظنّ أن شيخ الإسلام هنا هو ابن تيمية فزاده من عنده. ووقع في مثله ابن ناصر الدين الدمشقيّ، فنقل في "الردّ الوافر" (١٢٦) عن ابن القيّم عن شيخ الإسلام ابن تيمية هذه العبارة، وما أظنُّه أخذها إلّا من هذا الموضع؛ فقد نقل من هذا الكتاب كثيرًا من العبارات التي أوردها ابن القيم عن شيخه.
    وتبعه على ذلك مرعي الكرمي في "مختصره" "الشهادة الزكيّة" (٣٥).
  2. (١) أخرجه البخاري (٦٣٢٣) من حديث شداد بن أوس ﵁.
11

والإحسان، ومطالعةُ عيب النفس والعمل توجب له الذل والانكسار، والافتقار والتوبة في كل وقت، وأن لا يرى نفسه إلا مفلسًا.

وأقربُ بابٍ دخل منه العبد على الله تعالى باب الإفلاس١، فلا يرى لنفسه حالًا، ولا مقامًا، ولا سببًا يتعلق به، ولا وسيلة منه يَمُنُّ بها٢، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصِّرْف، والإفلاس المَحْض، دخولَ من قد كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سُوَيْدائه فانصدع، وشملته الكَسْرة من كل جهاته، وشهد ضرورته إلى ربه ﷿ وكمال فاقته وفقره إليه، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقةً تامةً، وضرورةً كاملةً إلى ربه ﵎، وأنه إن تخلى عنه طرفة عينٍ هَلَكَ، وخسر خسارة لا تُجْبَر؛ إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته.

ولا طريق إلى الله تعالى أقرب من العبودية، ولا حجاب أغلظ من الدَّعْوى!.

والعبوديةُ مدارها على قاعدتين هما أصلها: حب كامل، وذل تام. ومنشأ هذين الأصلين عن ذَيْنِكَ الأصلين المتقدمَيْن، وهما: مشاهدة المِنّة التي تورث المحبة، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام.

  1. (١) انظر: "مدارج السالكين" (٣/ ٣٨).
  2. (٢) كذا في (ح) و(ق)، وفي (ت): "يمُتُّ بها"، وفي (م): "ولا وسيلة ولا مِنّة يمنُّ بها".
12

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي