الوابل الصيب

فصل

وإنما يستقيم له هذا باستقامة قلبه وجوارحه؛ فاستقامة القلب بشيئين:

أحدهما: أن تكون محبة الله تعالى تتقدم عنده على جميع المحابِّ١، فإذا تعارض حب الله تعالى وحب غيره سبق حُبُّ الله تعالى حُبَّ ما سواه، فرتّب على ذلك مقتضاه.

وما أسهل هذا بالدعوى، وما أصعبه بالفعل!، فعند الامتحان يكرم المرء أو يهان.

وما أكثر ما يُقَدِّم العبد ما يحبه هو ويهواه، أو يحبه كبيره أو أميره أو شيخه أو أهله على ما يحبه الله تعالى، فهذا لم تتقدم محبة الله تعالى في قلبه جميع المحابّ، ولا كانت هي الحاكمة عليها، المؤمَّرة عليها، وسُنَّةُ الله تعالى فيمن هذا شأنه أن يُنَكِّدَ عليه مَحَابَّه، ويُنَغِّصها عليه، فلا ينال شيئًا منها إلا بنكدٍ وتنغيصٍ، جزاءً له على إيثاره هواه وهوى من يُعَظِّمُه من الخلق أو يُحِبُّه٢ على محبة الله تعالى.

وقد قضى الله ﷿ قضاءً لا يُردُّ ولا يُدْفَع، أن من أحب شيئًا سواه عُذِّبَ به ولا بُدّ، وأنّ من خاف غيره سُلِّطَ عليه، وأن من اشتغل بشيء غيره كان شُؤْمًا عليه، ومن آثر غيره عليه لم يُبارك له فيه، ومن

  1. (١) (ت): "تتقدم عنده جميع المحابّ".
  2. (٢) (م): "أو يحبّه أو يقدم محبته".
14

أرضى غيره بسخطه أسخطه عليه ولابُدّ١.

الأمر الثاني الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهي؛ وهو ناشئٌ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يُعَظِّمه، ولا يُعَظِّم أمره ونهيه، قال الله ﷾: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣]. قالوا في تفسيرها: مالكم لا تخافون لله تعالى عظمة٢.

وما أحسن ما قال شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: "هو أن لا يُعارَضا بترخيصٍ جافٍّ، ولا يُعَرَّضا لتشديدٍ غالٍ٣، ولا يحملا على علةٍ تُوهِنُ الانقياد"٤.

ومعنى كلامه: أن أول مراتب تعظيم الحق ﷿: تعظيم أمره ونهيه، وذلك لأن المؤمن يعرفُ ربَّهُ ﷿ برسالته التي أرسل بها رسوله ﷺ إلى الناس كافة، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز جل واتِّباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن٥ لأمر الله تعالى ونهيه دالًّا على تعظيمه لصاحب الأمر

  1. (١) من قوله: "وأنّ من خاف غيره" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ق).
  2. (٢) (ت): "ما لكم لا ترجون لله عظمة".
    وانظر: "تفسير ابن جرير" (٢٣/ ٦٣٤)، و"الدر المنثور" (٨/ ٢٩١ - ٢٩٢).
  3. (٣) (ت): "ولا يعارضا بتشديد"، و(م): "ولا بتشديد غال"، والمثبت من (ح) و(ق)، و"المنازل".
  4. (٤) "منازل السائرين" للهروي (٦٥)، وانظر ما تقدم (ص: ١١).
  5. (٥) (ت) و(م): "تعظيمه".
15

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي