الأمر الثاني الذي يستقيم به القلب: تعظيم الأمر والنهي؛ وهو ناشئٌ عن تعظيم الآمر الناهي، فإن الله تعالى ذم من لا يُعَظِّمه، ولا يُعَظِّم أمره ونهيه، قال الله ﷾: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾[نوح: ١٣]. قالوا في تفسيرها: مالكم لا تخافون لله تعالى عظمة٢.
وما أحسن ما قال شيخ الإسلام في تعظيم الأمر والنهي: "هو أن لا يُعارَضا بترخيصٍ جافٍّ، ولا يُعَرَّضا لتشديدٍ غالٍ٣، ولا يحملا على علةٍ تُوهِنُ الانقياد"٤.
ومعنى كلامه: أن أول مراتب تعظيم الحق ﷿: تعظيم أمره ونهيه، وذلك لأن المؤمن يعرفُ ربَّهُ ﷿ برسالته التي أرسل بها رسوله ﷺ إلى الناس كافة، ومقتضاها الانقياد لأمره ونهيه، وإنما يكون ذلك بتعظيم أمر الله عز جل واتِّباعه، وتعظيم نهيه واجتنابه، فيكون تعظيم المؤمن٥ لأمر الله تعالى ونهيه دالًّا على تعظيمه لصاحب الأمر
(١) من قوله: "وأنّ من خاف غيره" إلى هنا، ساقط من (ت) و(ق).
(٢) (ت): "ما لكم لا ترجون لله عظمة". وانظر: "تفسير ابن جرير" (٢٣/ ٦٣٤)، و"الدر المنثور" (٨/ ٢٩١ - ٢٩٢).
(٤) "منازل السائرين" للهروي (٦٥)، وانظر ما تقدم (ص: ١١).
(٥) (ت) و(م): "تعظيمه".
والنهي، ويكون بحسب هذا التعظيم من الأبرار المشهود لهم بالإيمان والتصديق، وصحة العقيدة والبراءة من النفاق الأكبر.
فإن الرجل قد يتعاطى فعل الأمر؛ لنظر الخلق، وطلب المنزلة والجاه عندهم، ويتقي المناهي خشية سقوطه من أعينهم، وخشية العقوبات الدنيوية من الحدود١ التي رتبها الشارع ﷺ على المناهي، فهذا ليس فعله وتركه صادرًا عن تعظيم الأمر والنهي، ولا عن تعظيم الآمر الناهي.
فعلامة التعظيم للأوامر: رعايةُ أوقاتها وحدودها، والتفتيشُ على أركانها وواجباتها وكمالها، والحرصُ على تحسينها، وفعلُها٢ في أوقاتها، والمسارعةُ إليها عند وجوبها، والحزنُ والكآبة والأسف عند فوات حق من حقوقها، كمن يحزن على فوت الجماعة، ويعلم أنه لو تُقُبِّلَتْ منه صلاته منفردًا فإنه قد فاته سبعة وعشرون ضِعفًا.
ولو أن رجلًا يعاني البيع والشراء يفوته في صفقة واحدة في بلده من غير سفر ولا مشقّةٍ سبعة وعشرون دينارًا لأكل يديه ندمًا وأسفًا٣. فكيف وكُلُّ ضِعْفٍ مما تضاعف به صلاة الجماعة خير من أَلْفٍ، وأَلْفِ أَلْفٍ، وما شاء الله تعالى؟!