ﷺ أنه قال: "إن العبد ليصلي الصلاة وما كُتِب له إلا نصفها، إلا ثلثها، إلا ربعها، إلا خُمسها، حتى بلغ عُشرها"١.
وينبغي أن يُعْلَم أن سائر الأعمال تجري هذا المجرى، فَتَفاضُلُ الأعمال عند الله تعالى بِتفاضُلِ ما في القلوب من الإيمان، والإخلاص، والمحبة وتوابعها، وهذا العمل الكامل هو الذي يكفِّر تكفيرًا كاملًا، والناقصُ بِحَسَبِه.
وبهاتين القاعدتين تزول إشكالاتٌ كثيرة، وهما:
تفاضلُ الأعمال بتفاضل ما في القلوب من حقائق الإيمان٢، وتكفيرُ العمل للسيئات بحسب كماله ونقصانه.
وبهذا يزول الإشكال الذي يورده من نَقَص حظُّه من هذا الباب على الحديث الذي فيه: "إن صوم يوم عرفة يُكَفِّر سنتين، ويوم عاشوراء يُكَفِّر سنة"٣.
(١) أخرجه أبو داود (٧٨٦)، والنسائي في "الكبرى" (٦١٤، ٦١٥) وأحمد (٦/ ٤٠٨ - ٤٠٩) وغيرهم عن عمار بن ياسر ﵁. وصححه ابن حبان (١٨٨٩)، والعراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٢٠). وفي إسناده اختلاف لا يقدح في صحته. انظر: "التاريخ الكبير" (٧/ ٢٥ - ٢٦) للبخاري، و"تهذيب الكمال" (١٥/ ٣٩٣).
قالوا: فإذا كان دأبه دائمًا أنه١ يصوم يوم عرفة، فصامه٢ وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة؟
وأجاب بعضهم عن هذا، بأن ما فَضَلَ عن التكفير ينال به الدرجات٣.
ويالله العجب! فليت العبد إذا أتى بهذه المكفِّرات كلِّها أن تُكَفَّر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض. والتكفيرُ بهذه مشروطٌ بشروطٍ، موقوفٌ على انتفاء موانع في العمل وخارجه٤؛ فإنْ عَلِم العبد أنه جاء بالشروط كلِّها، وانتفت عنه الموانع كلُّها، فحينئذ يقع التكفير، وأما عَمَلٌ شَمِلتْهُ الغفلة أو لأكثره، وفَقَدَ الإخلاص الذي هو رُوحه ولُبُّه٥ ولم يُوف حَقّه، ولم يقدّره حق قدره = فأيُّ شيء يكفِّر هذا العمل؟!
فإنْ وثق العبد من عمله٦ بأنه وفّاه حقَّه الذي ينبغي له ظاهرًا وباطنًا، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره، ولا مُبْطِل يحبطه من عُجْبٍ