قالوا: فإذا كان دأبه دائمًا أنه١ يصوم يوم عرفة، فصامه٢ وصام يوم عاشوراء، فكيف يقع تكفير ثلاث سنين كل سنة؟
وأجاب بعضهم عن هذا، بأن ما فَضَلَ عن التكفير ينال به الدرجات٣.
ويالله العجب! فليت العبد إذا أتى بهذه المكفِّرات كلِّها أن تُكَفَّر عنه سيئاته باجتماع بعضها إلى بعض. والتكفيرُ بهذه مشروطٌ بشروطٍ، موقوفٌ على انتفاء موانع في العمل وخارجه٤؛ فإنْ عَلِم العبد أنه جاء بالشروط كلِّها، وانتفت عنه الموانع كلُّها، فحينئذ يقع التكفير، وأما عَمَلٌ شَمِلتْهُ الغفلة أو لأكثره، وفَقَدَ الإخلاص الذي هو رُوحه ولُبُّه٥ ولم يُوف حَقّه، ولم يقدّره حق قدره = فأيُّ شيء يكفِّر هذا العمل؟!
فإنْ وثق العبد من عمله٦ بأنه وفّاه حقَّه الذي ينبغي له ظاهرًا وباطنًا، ولم يعرض له مانع يمنع تكفيره، ولا مُبْطِل يحبطه من عُجْبٍ
أو١ رؤيةِ نفسه فيه، أو مَنٍّ به٢، أو يطلب من العباد تعظيمه به، أو يستشرف بقلبه لمن يعظِّمه عليه، أو يُعادي من لا يعظمة عليه، ويرى أنه قد بخسه حقه، وأنه قد استهان بحرمته = فهذا أيُّ شيء يُكَفِّر؟!
ومحبطاتُ الأعمال ومفسداتُها أكثر من أن تحصر، وليس الشأن في العمل، إنما الشأن في حفظ العمل مما يفسده ويحبطه.
فالرياء -وإن دَقَّ- محبطٌ للعمل، وهو أبواب كثيرة لا تحصر. وكونُ العمل غير مُقَيَّد باتباع السنة أيضًا موجبٌ لكونه باطلًا، والمَنُّ به على الله تعالى بقلبه مُفْسِدٌ له، وكذلك المَنُّ بالصدقة والمعروف، والبِرّ والإحسان والصِّلَةِ مُفْسِدٌ لها، كما قال ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾[البقرة: ٢٦٤].
وأكثر الناس ما عندهم خَبَرٌ من السيئات التي تحبط الحسنات، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٢﴾[الحجرات: ٢].
فحذر سبحانه المؤمنين من حبوط أعمالهم بالجهر لرسول الله ﷺ كما يجهر بعضهم لبعض٣، وليس هذا بردَّة، بل معصيةٌ يحبط بها العمل٤
(١) (ت) و(م): "ولا".
(٢) (ح): "أو يمُنُّ به"، وفي (ق): "أو يمنُّ فيه به".