فما الظَّنُّ بِمَنْ قَدَّم على قولِ الرسولِ ﷺ وهديه وطريقه قولَ غيره وهديَه وطريقَه؟! أليس هذا قد حبط عمله وهو لا يشعر؟!
ومن هذا قوله ﷺ: "من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله"٢.
ومن هذا قول عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها لزيد بن أرقم ﵁ لما باع بالعِينة: "إنه قد أبطل جهاده مع رسول الله ﷺ، إلا أن يتوب"٣.
وليس التبايُع بالعِينة رِدَّةً، وإنما غايته أن يكون معصية.
فمعرفةُ ما يفسدُ الأعمال في حَالِ٤ وقوعها، ويبطِلُها ويحبطُها بعد
(١) "بها" من (ح) و(ق).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٣، ٥٩٤) من حديث بريدة ﵁. وانظر: "الصلاة وحكم تاركها" (٨٥ - ٨٧) للمصنّف.
(٣) أخرجه أبو القاسم البغوي في "الجعديّات" (١/ ١٥٥)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٨/ ١٨٤ - ١٨٥)، والدارقطني في "السنن" (٣/ ٥٢)، والبيهقي في "الكبرى" (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١). وأعلّه الشافعيُّ في "الأم" (٤/ ٧٤)، والدارقطني في "السنن" بجهالة امرأة أبي إسحاق. وأجاب عن هذه العلّة -وأحسن ما شاء- المصنّفُ في "إعلام الموقعين" (٣/ ١٦٧ - ١٦٩)، و"تهذيب السنن" (٩/ ٢٤٠، ٢٤٦)، وابن التركماني في "الجوهر النقي" (٥/ ٣٣١ - سنن البيهقي)، وابن الجوزي في "التحقيق" (٢/ ١٨٤)، وجوّد إسناده ابن عبد الهادي في "تنقيح التحقيق" (٢/ ٥٥٨).
(٤) (م): "وقت".
وقوعها مِنْ أهم ما ينبغي أن يُفَتِّشَ عليه العبد، ويحرص على علمه١، ويحذره.
وقد جاء في أثرٍ معروف: "إن العبد ليعمل العمل سرًّا لله لا يطَّلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السِّرِّ إلى ديوان العلانية، ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية"٢؛ فإن تحدَّث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى٣ أبطله، كما لو فعله لذلك.
فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟
قيل: إنْ كان قد عمله لغير الله تعالى، وأوقعه بهذه النية، فإنه لا ينقلب صالحًا بالتوبة؛ بَلْ حَسْبُ التوبة أن تمحو عنه عقابه، فيصير لا له ولا عليه.
وأما إنْ عمله لله تعالى خالصًا، ثم عرض له عُجْبٌ أو رياء، أو تحدَّث به، ثم تاب من بعد ذلك وندم، فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط. وقد يقال: إنه لا يعود إليه، بل يستأنف العمل.
(١) (ح): "عمله"، وكان في (م): "عمله" فضرب عليها وجعلها "علمه".
(٢) جاء بمعناه من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا عند البيهقي في "الشُّعب" (١٢/ ١٨٥ - ١٨٦) ولا يصحّ، وقد بيّن البيهقيُّ علّته. ومن حديث أنس ﵁ عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٦٣ - ٦٤) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٦٦).