وقوعها مِنْ أهم ما ينبغي أن يُفَتِّشَ عليه العبد، ويحرص على علمه١، ويحذره.
وقد جاء في أثرٍ معروف: "إن العبد ليعمل العمل سرًّا لله لا يطَّلع عليه أحد إلا الله تعالى، فيتحدث به، فينتقل من ديوان السِّرِّ إلى ديوان العلانية، ثم يصير في ذلك الديوان على حسب العلانية"٢؛ فإن تحدَّث به للسمعة وطلب الجاه والمنزلة عند غير الله تعالى٣ أبطله، كما لو فعله لذلك.
فإن قيل: فإذا تاب هذا هل يعود إليه ثواب العمل؟
قيل: إنْ كان قد عمله لغير الله تعالى، وأوقعه بهذه النية، فإنه لا ينقلب صالحًا بالتوبة؛ بَلْ حَسْبُ التوبة أن تمحو عنه عقابه، فيصير لا له ولا عليه.
وأما إنْ عمله لله تعالى خالصًا، ثم عرض له عُجْبٌ أو رياء، أو تحدَّث به، ثم تاب من بعد ذلك وندم، فهذا قد يعود له ثواب عمله ولا يحبط. وقد يقال: إنه لا يعود إليه، بل يستأنف العمل.
(١) (ح): "عمله"، وكان في (م): "عمله" فضرب عليها وجعلها "علمه".
(٢) جاء بمعناه من حديث أبي الدرداء ﵁ مرفوعًا عند البيهقي في "الشُّعب" (١٢/ ١٨٥ - ١٨٦) ولا يصحّ، وقد بيّن البيهقيُّ علّته. ومن حديث أنس ﵁ عند الخطيب في "تاريخ بغداد" (٦/ ٦٣ - ٦٤) بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، وضعفه العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (١/ ١٦٦).
(٣) (ت) و(م): "عند الناس".
والمسألة مبنية على أصْلٍ، وهو أن الردّة هل تحبط العمل بمجرَّدها، أولا يحبطه إلا الموت عليها؟١ فيه للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن الإمام أحمد ﵁٢.
فإن قلنا: تحبط العمل بنفسها، فمتى أسلم استأنف العمل وبطل ما كان قد عمل قبل الإسلام، وإن قلنا: لا يحبط العمل إلا إذا مات مُرتَدًّا، فمتى عاد إلى الإسلام عاد إليه ثواب عمله.
وهكذا العبد إذا فعل حسنة، ثم فعل سيئة تحبطها، ثم تاب من تلك السيئة، هل يعود إليه ثواب تلك الحسنة المتقدمة؟ يُخرَّجُ على هذا الأصل.
ولم يزل في نفسي شيء من هذه المسألة، ولم أزل حريصًا على الصواب فيها، وما رأيت أحدًا شفى فيها، والذي يظهر لي٣ -والله تعالى أعلم، وبه المستعان، ولا قوة إلا به- أن الحسنات والسيئات تتدافع وتتقابل، ويكون الحكم فيها للغالب، وهو يقهر المغلوب، ويكون الحكم له، حتى كأنّ المغلوب لم يكن، فإذا غلبت٤ على العبد الحسنات دفعت حسناتُه الكثيرةُ سيئاتِه، ومتى تاب من السيئة ترتَّبَ على
(١) (ت) و(ق): "أو لا تحبط إلّا بالموت".
(٢) انظر لهذا الخلاف: "مجموع الفتاوى" (٤/ ٢٥٨)، و(١١/ ٧٠٠)، و"شرح العمدة" (١/ ٣٢٠ - ٣٢١ الطهارة)، و(٢/ ٣٨ - ٤٠ الحج)، و"درء التعارض" (٣/ ٢٧٢) لشيخ الإسلام ابن تيمية.