الوابل الصيب

توبته منها حسنات كثيرةٌ قد١ تربي وتزيد على الحسنة التي حبطت بالسيئة، فإذا عزمت التوبة، وصحَّت، ونشأت من صميم القلب، أحرقت ما مرّت عليه من السيئات، حتى كأنها لم تكن؛ فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له.

وقد سأل حكيمُ بن حزام ﵁ النبيَّ ﷺ عن عتاقةٍ وصِلَةٍ وبِرٍّ فعله في الشرك: هل يُثابُ عليه؟ فقال النبي ﷺ له: "أسلمت على ما أسلفت مِنْ خَيْرٍ"٢.

فهذا يقتضي أن الإسلام أعاد عليه ثواب تلك الحسنات التي كانت باطلة بالشرك، فلما تاب من الشرك عاد إليه ثوابُ حسناته المتقدمة.

فهكذا إذا تاب العبد توبة نصوحًا صادقةً خالصةً٣ أحرقت ما كان قبلها من السيئات، وأعادت عليه ثواب حسناته٤.

  1. (١) (ت) و(م) و(ق): "وقد".
  2. (٢) أخرجه البخاري (١٤٣٦، ٢٢٢٠، ٢٥٣٨)، ومسلم (١٢٣) عن حكيم بن حزام ﵁، واللفظ لمسلم.
  3. (٣) "خالصة" من (ح) و(م) و(ق).
  4. (٤) الذي استظهره المصنّف في هذه المسألة هنا جزم به في "مدارج السالكين" (١/ ٣٠٨) -وهو متأخّر في التأليف عن هذا الكتاب-.
    ويدلُّ على ما ذهب إليه قولُ عائشة المتقدّم لزيد بن أرقم ﵄: "أبلغي زيدًا أنه أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ إلا أن يتوب".
    قال ابن رجب في "فتح الباري" (١/ ١٩٩):
    "وهذا يدلُّ على أنّ بعض السيئات تحبط بعض الحسنات، ثم تعود بالتوبة منها".
24

يُوَضِّحُ هذا أنَّ السيئاتِ والذنوب هي أمراضٌ قلبية، كما أن الحمَّى والأوجاع أمراضٌ بدنيةٌ١، والمريضُ إذا عُوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها، حتى كأنه لم يَضْعُفْ قط؛ فالقوةُ المتقدِّمة بمنزلة الحسنات، والمرضُ بمنزلة الذنوب، والصحةُ والعافيةُ بمنزلة التوبة سواء بسواء٢.

وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدًا؛ لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته٣ كما كانت؛ لتقاوم الأسباب وتدافعها، وعَوْدِ البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصحَّ مما كان وأقوى وأنشط؛ لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لأسباب الضعف والمرض، حتى ربما كان مرض هذا سببًا لعافيته، كما قال الشاعر:

لعل عَتْبَك محمودٌ عواقِبُهوربما صَحَّت الأجسام بالعِلَل٤

فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث. والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.

  1. (١) من قوله: "كما أن الحمَّى" إلى هنا، من (ح) و(م) و(ق).
  2. (٢) انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥) للمصنف.
  3. (٣) "صحته" ساقطة من (ت).
  4. (٤) البيت للمتنبي في "ديوانه" (٢/ ١٣٥ - العَرْفُ الطيّب).
25

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي