يُوَضِّحُ هذا أنَّ السيئاتِ والذنوب هي أمراضٌ قلبية، كما أن الحمَّى والأوجاع أمراضٌ بدنيةٌ١، والمريضُ إذا عُوفي من مرضه عافية تامة عادت إليه قوته وأفضل منها، حتى كأنه لم يَضْعُفْ قط؛ فالقوةُ المتقدِّمة بمنزلة الحسنات، والمرضُ بمنزلة الذنوب، والصحةُ والعافيةُ بمنزلة التوبة سواء بسواء٢.
وكما أن من المرضى من لا تعود إليه صحته أبدًا؛ لضعف عافيته، ومنهم من تعود صحته٣ كما كانت؛ لتقاوم الأسباب وتدافعها، وعَوْدِ البدن إلى كماله الأول، ومنهم من يعود أصحَّ مما كان وأقوى وأنشط؛ لقوة أسباب العافية وقهرها وغلبتها لأسباب الضعف والمرض، حتى ربما كان مرض هذا سببًا لعافيته، كما قال الشاعر:
فهكذا العبد بعد التوبة على هذه المنازل الثلاث. والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.
(١) من قوله: "كما أن الحمَّى" إلى هنا، من (ح) و(م) و(ق).
(٢) انظر: "زاد المعاد" (٣/ ٤٢٤ - ٤٢٥) للمصنف.
(٣) "صحته" ساقطة من (ت).
(٤) البيت للمتنبي في "ديوانه" (٢/ ١٣٥ - العَرْفُ الطيّب).
فصل
وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانِّها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تُقَرِّبُ منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصُّوَر التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأنْ يَدَع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس١، وأن يجانب الفُضول من المباحات خشية الوقوع في المكروهات، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسِّنها ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي ما ركِبَ منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحُرُماتِه.
ومن علامات تعظيم النّهي٢: أن يغضب لله ﷿ إذا انتُهِكت محارمه، وأن يجد في قلبه حُزنًا وكسْرةً إذا عُصِيَ الله تعالى في أرضه، ولم يُطَع بإقامة حدوده وأوامره٣، ولم يستطع هو أن يُغَيِّر ذلك.
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حَدٍّ يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط.
مثال ذلك: أن السُّنةَ وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر٤،
(١) (ح) و(م) و(ق): "بأس".
(٢) (م): "الله".
(٣) (ت) و(م): "وأمره"، والمثبت من (ح).
(٤) أخرجه البخاري (٥٣٣، ٥٣٤)، ومسلم (٦١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.