الوابل الصيب

فصل

وأما علامات تعظيم المناهي: فالحرص على التباعد من مظانِّها وأسبابها وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تُقَرِّبُ منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصُّوَر التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأنْ يَدَع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس١، وأن يجانب الفُضول من المباحات خشية الوقوع في المكروهات، ومجانبة من يجاهر بارتكابها ويحسِّنها ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي ما ركِبَ منها؛ فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله تعالى وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله تعالى وحُرُماتِه.

ومن علامات تعظيم النّهي٢: أن يغضب لله ﷿ إذا انتُهِكت محارمه، وأن يجد في قلبه حُزنًا وكسْرةً إذا عُصِيَ الله تعالى في أرضه، ولم يُطَع بإقامة حدوده وأوامره٣، ولم يستطع هو أن يُغَيِّر ذلك.

ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يسترسل مع الرخصة إلى حَدٍّ يكون صاحبه جافيًا غير مستقيم على المنهج الوسط.

مثال ذلك: أن السُّنةَ وردت بالإبراد بالظهر في شدة الحر٤،

  1. (١) (ح) و(م) و(ق): "بأس".
  2. (٢) (م): "الله".
  3. (٣) (ت) و(م): "وأمره"، والمثبت من (ح).
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٣٣، ٥٣٤)، ومسلم (٦١٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
26

فالترخص الجافي أن يُبْرِد إلى فوات الوقت، أو مقاربة خروجه؛ فيكون مُتَرخِّصًا جافيًا.

وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بِتَكرُّهٍ وضجر، فمن حكمة الشارع ﷺ أنْ أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحَرُّ، فيصلي العبد بقلبٍ حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى.

ومن هذا نهيه ﷺ أن يصلي الرجل١ بحضرة الطعام، أو عند مدافعة البول والغائط٢؛ لِتَعَلُّق قلبه من ذلك بما يُشَوِّشُ عليه مقصود الصلاة، فلا يحصل المراد منها. فَمِنْ فِقْهِ الرجل في عبادته أن يُقْبِل على شغله فيعمله، ثم يفرغ قلبه للصلاة، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونَصَبَ وجهه له، وأقبل بِكُلِّيته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يُغْفَرُ للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه.

والمقصود أنّه لا يترخص ترخّصًا جافيًا.

ومن ذلك أنه رخّص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر، وتعذُّرِ فعلِ كل صلاة في وقتها؛ لمواصلة السير، وتعذر النزول أو تعسُّرِه عليه. فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة، أو أقام اليوم فَجَمْعُه بين الصلاتين لا موجب له؛ لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير

  1. (١) "الرجل" من (م).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂.
27

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي