الوابل الصيب

فالترخص الجافي أن يُبْرِد إلى فوات الوقت، أو مقاربة خروجه؛ فيكون مُتَرخِّصًا جافيًا.

وحكمة هذه الرخصة أن الصلاة في شدة الحر تمنع صاحبها من الخشوع والحضور، ويفعل العبادة بِتَكرُّهٍ وضجر، فمن حكمة الشارع ﷺ أنْ أمرهم بتأخيرها حتى ينكسر الحَرُّ، فيصلي العبد بقلبٍ حاضر، ويحصل له مقصود الصلاة من الخشوع والإقبال على الله تعالى.

ومن هذا نهيه ﷺ أن يصلي الرجل١ بحضرة الطعام، أو عند مدافعة البول والغائط٢؛ لِتَعَلُّق قلبه من ذلك بما يُشَوِّشُ عليه مقصود الصلاة، فلا يحصل المراد منها. فَمِنْ فِقْهِ الرجل في عبادته أن يُقْبِل على شغله فيعمله، ثم يفرغ قلبه للصلاة، فيقوم فيها وقد فرغ قلبه لله تعالى ونَصَبَ وجهه له، وأقبل بِكُلِّيته عليه، فركعتان من هذه الصلاة يُغْفَرُ للمصلي بهما ما تقدم من ذنبه.

والمقصود أنّه لا يترخص ترخّصًا جافيًا.

ومن ذلك أنه رخّص للمسافر في الجمع بين الصلاتين عند العذر، وتعذُّرِ فعلِ كل صلاة في وقتها؛ لمواصلة السير، وتعذر النزول أو تعسُّرِه عليه. فإذا أقام في المنزل اليومين والثلاثة، أو أقام اليوم فَجَمْعُه بين الصلاتين لا موجب له؛ لتمكنه من فعل كل صلاة في وقتها من غير

  1. (١) "الرجل" من (م).
  2. (٢) أخرجه مسلم (٥٦٠) من حديث عائشة ﵂.
27

مشقة، فالجمع ليس سُنّةً راتبةً كما يعتقده أكثر المسافرين أن سنة السفر الجمع، سواء وُجِدَ عذرٌ أوْ لم يوجد، بل الجمع رخصة عارضة، والقصر سُنة راتبة، فسنة المسافر قصر الرباعية، سواء وُجد له عذرٌ أو لم يُوجَد١؛ وأما جمعه بين الصلاتين، فحاجة ورخصة٢، فهذا لونٌ، وهذا لونٌ.

ومن هذا: أن الشِّبَع في الأكل رخصة غير مُحَرَّمة٣؛ فلا ينبغي أن يَجْفُوَ العبد فيها حتى يصل به الشِّبَع إلى حد التُّخمة والامتلاء، فيتطلَّبَ ما يُصَرِّفُ به الطعام، فيكون هَمُّه بطنه قبل الأكل وبعده!، بل ينبغي للعبد أن يجوع ويشبع، ويدع الطعام وهو يشتهيه، وميزان ذلك قول النبي ﷺ: "ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لِنَفَسِه"٤. فلا يجعل الثلاثة الأثلاث كلها للطعام وحده.

وأما تعريض٥ الأمر والنهي للتشديد الغالي، فهو كمن يتوسوس في الوضوء متغاليًا فيه حتى يفوت الوقت، أو يردِّد تكبيرة الإحرام إلى أن تفوته مع الإمام قراءة الفاتحة، أو تكاد تفوته الركعة، أو يتشدد في الورع

  1. (١) (ح) و(ق): "كان له عذر أو لم يكن".
  2. (٢) انظر: "زاد المعاد" (١/ ٤٨١)، و"مجموع الفتاوى" (٢٤/ ٢٧ - ٢٨، ٦٣ - ٦٤).
  3. (٣) انظر: "صحيح مسلم" (٢٠٣٩)، و"المفهم" (٥/ ٣٠٧) للقرطبي.
  4. (٤) أخرجه أحمد (٥/ ٨٥٤)، والترمذي (٢٣٨٠)، والنسائي في "الكبرى" (٦٧٣٧)، وابن ماجه (٣٣٤٩) من حديث المقدام بن معدي كرب ﵁.
    وقال الترمذي: "هذا حديث صحيح"، وصححه ابن حبّان (٦٧٤).
  5. (٥) (ت) و(م): "معارضة".
28

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي