الوابل الصيب

الغالي حتى لا يأكل شيئًا من طعام عامّة١ المسلمين؛ خشية دخول الشبهات عليه.

ولقد دخل هذا الورع الفاسد على بعض العبَّاد الذين نقص حظهم من العلم٢، حتى امتنع أن يأكل شيئًا من بلاد المسلمين، وكان يتقوَّت بما يُحْمَلُ إليه من بلاد النصارى، ويَبْعَثُ بالقَصْدِ لتحصيل ذلك، فأوقعه الجهل المفرط، والغلوُّ الزائد في إساءة الظن بالمسلمين، وحُسْنِ الظن بالنصارى، نعوذ بالله من الخذلان.

فحقيقة التعظيم للأمر والنهي أن لا يُعارَضا بتَرَخُّصٍ جافٍ، ولا يُعَرَّضا لتشديدٍ غالٍ، فإن المقصود هو الصراط المستقيم المُوصِل إلى الله ﷿ بِسَالِكِه٣.

وما أمر الله ﷿ بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما تقصيرٌ وتفريطٌ، وإما إفراطٌ وغُلوٌّ، فلا يبالي بما ظفر من العبد من الخطيئتين، فإنه يأتي إلى قلب العبد فَيُشامُّه٤، فإن وجد فيه تقصيرًا وفتورًا وتوانيًا وترخيصًا أخذه من هذه الخطة، فثبَّطه وأقعده، وضربه بالكسل والتواني والفتور، وفتح له باب التأويلات والرجاء وغير ذلك، حتى ربما ترك العبدُ المأمورَ جملة.

  1. (١) (ت) و(م): "من طعام المسلمين".
  2. (٢) (ت): "العمل".
  3. (٣) "بسالكه" من (ح) و(ق).
  4. (٤) (ت) و(م): "فيشمه".
29

وإن وجد عنده حذرًا وجِدًّا، وتشميرًا ونهضة، وأَيِسَ أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهِمَّتُك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تَفْتُر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغتسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدِّي، فيحمله على الغلوِّ والمجاوزة وتعدِّي الصراط المستقيم، كما يَحْمِلُ الأولَ على التقصير دونه، وأن لا يَقْرَبَه.

ومقصودُه من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يَقْرَبَه ولا يدنو منه، وهذا بأن يتجاوزه ويتعدّاه.

وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجِي من ذلك إلا عِلمٌ راسخ، وإيمانٌ، وقُوَّةٌ على محاربته، ولزومُ الوسط. والله المستعان.

30

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي