وإن وجد عنده حذرًا وجِدًّا، وتشميرًا ونهضة، وأَيِسَ أن يأخذه من هذا الباب أمره بالاجتهاد الزائد، وسوَّل له أن هذا لا يكفيك، وهِمَّتُك فوق هذا، وينبغي لك أن تزيد على العاملين، وأن لا ترقد إذا رقدوا، ولا تفطر إذا أفطروا، وأن لا تَفْتُر إذا فتروا، وإذا غسل أحدهم يديه ووجهه ثلاث مرات فاغتسل أنت سبعًا، وإذا توضأ للصلاة فاغتسل أنت لها، ونحو ذلك من الإفراط والتعدِّي، فيحمله على الغلوِّ والمجاوزة وتعدِّي الصراط المستقيم، كما يَحْمِلُ الأولَ على التقصير دونه، وأن لا يَقْرَبَه.
ومقصودُه من الرجلين إخراجهما عن الصراط المستقيم، هذا بأن لا يَقْرَبَه ولا يدنو منه، وهذا بأن يتجاوزه ويتعدّاه.
وقد فتن بهذا أكثر الخلق، ولا يُنْجِي من ذلك إلا عِلمٌ راسخ، وإيمانٌ، وقُوَّةٌ على محاربته، ولزومُ الوسط. والله المستعان.
فصل١
ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يَحْمِلَ الأمر على عِلَّةٍ تُضْعِفُ الانقياد والتسليم لأمر الله ﷿، بل يُسَلِّم لأمر الله تعالى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه٢ أو لم تظهر. فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه، حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه جملة٣، كما حَمَل ذلك كثيرًا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوّف.
فإن الله ﷿ شرع الصلوات الخمس إقامةً لذكره، واستعمالًا للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كلٍّ منها قِسْطَه من العبودية التي هي المقصود بخَلْقِ العبد، فَوُضِعَت الصلاةُ على أكمل مراتب العبودية.
فإن الله ﷾ خلق الآدميّ، واختاره من بين سائر البَرِيّة، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والمحبة، والحياء، والتعظيم، والمراقبة، وجعل ثوابه إذا قَدِم عليه أكمل الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه، والفوز برضوانه، ومجاورته في جنته.
(١) من (م) و(ق).
(٢) كذا في (م)، وفي (ح): "حكمته"، وفي (ت): "سواء ظهرت له حكمة أو لم تظهر"، وفي (ق): "سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر".