ومن علامات تعظيم الأمر والنهي: أن لا يَحْمِلَ الأمر على عِلَّةٍ تُضْعِفُ الانقياد والتسليم لأمر الله ﷿، بل يُسَلِّم لأمر الله تعالى وحكمه، ممتثلًا ما أمر به، سواء ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه٢ أو لم تظهر. فإن ظهرت له حكمة الشرع في أمره ونهيه، حمله ذلك على مزيد الانقياد بالبذل والتسليم لأمر الله، ولا يحمله ذلك على الانسلاخ منه وتركه جملة٣، كما حَمَل ذلك كثيرًا من زنادقة الفقراء والمنتسبين إلى التصوّف.
فإن الله ﷿ شرع الصلوات الخمس إقامةً لذكره، واستعمالًا للقلب والجوارح واللسان في العبودية، وإعطاء كلٍّ منها قِسْطَه من العبودية التي هي المقصود بخَلْقِ العبد، فَوُضِعَت الصلاةُ على أكمل مراتب العبودية.
فإن الله ﷾ خلق الآدميّ، واختاره من بين سائر البَرِيّة، وجعل قلبه محل كنوزه من الإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والمحبة، والحياء، والتعظيم، والمراقبة، وجعل ثوابه إذا قَدِم عليه أكمل الثواب وأفضله، وهو النظر إلى وجهه، والفوز برضوانه، ومجاورته في جنته.
(١) من (م) و(ق).
(٢) كذا في (م)، وفي (ح): "حكمته"، وفي (ت): "سواء ظهرت له حكمة أو لم تظهر"، وفي (ق): "سواء ظهرت له حكمته أو لم تظهر".
(٣) "جملة" من (م).
وكان مع ذلك قد ابتلاه بالشهوة والغضب والغفلة، وابتلاه بعدوّه إبليس لا يفتر عنه، فهو يدخل عليه من الأبواب التي هي مِنْ نفسه وطبعه، فتميل نفسه معه؛ لأنه يدخل عليها بما تحب، فيتفق هو ونفسه وهواه على العبد، ثلاثةٌ مُسَلَّطون آمرون، فيبعثون الجوارح في قضاء وَطَرِهِم، والجوارح آلة منقادة، فلا يمكنها إلا الانبعاث١، فهذا شأن هذه الثلاثة، وشأن الجوارح، فلا تزال الجوارح في طاعتهم كيف أَمَروا، وأين يَمَّموا.
هذا مقتضى حال العبد.
فاقتضت رحمة ربه العزيز الرحيم به أن أعانه بِجُنْدٍ آخر، وأمدّه بِمَدَدٍ آخر، يقاوم به هذا الجند الذي يريد هلاكه، فأرسل إليه رسوله، وأنزل عليه كتابه، وأيّده بمَلَكٍ كريم يقابل عدوه الشيطان، فإذا أمره الشيطان بأمره٢، أمره المَلَك بأمر ربه، وبيَّن له ما في طاعة العدو من الهلاك. فهذا يُلِمُّ به مرة، وهذا مرة، والمنصورُ من نصره الله ﷿، والمحفوظُ من حفظه الله تعالى.
وجَعَل له مقابل نفسه الأمَّارةِ نفسًا مطمئنة، إذا أمرته النفسُ الأمَّارة بالسوء نَهَتْهُ عنه النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمَّارة عن الخير أمرته به النفس المطمئنة. فهو يطيع هذه مرة، وهذه مرة، وهو للغالب عليه منهما، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهرًا لا تقوم معه أبدًا.