الوابل الصيب

وقيل له: قاتِلْ عدوك وجاهِدْهُ، فهذه الجنود خُذْ منها ما شئت، وهذه العُدَدُ الْبَسْ منها ما شئت، وهذه الحصون تَحَصَّنْ منها بأي حصن شئت، ورابِطْ إلى الموت، فالأمر قريب، ومدة المرابطة يسيرة جدًّا، فكأنك بالمَلِك الأعظم وقد أَرْسَلَ إليك رُسُلَه، فنقلوك إلى داره، واسترحت من هذا الجهاد، وفُرِّقَ بينك وبين عدوك، وأُطْلِقْتَ في دار الكرامة تتقلَّب فيها كيف شئت، وسُجِن عدوك في أصعب الحُبوس وأنت تراه، فالسجنُ١ الذي كان يريد أن يُودِعَك فيه قد أُدْخِلَه وأُغْلِقت عليه أبوابه، وأَيِسَ من الخروج والفرج، وأنت فيما اشتهت نفسك، وقَرّت عينك؛ جزَاءً على صبرك في تلك المدة اليسيرة، ولزومك الثغر للرِّباط٢، وما كانت إلا ساعةً ثم انقَضَتْ، وكأنّ الشدة لم تكن.

فإن ضَعُفَت النفسُ عن ملاحظة قِصَر الوقت، وسرعة انقضائه فليتدبر قوله ﷿: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وقوله ﷿٣: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا ٤٦﴾ [النازعات: ٤٦]، وقوله ﷿: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ١١٤﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤] وقوله ﷿: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا ١٠٢ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا ١٠٣ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ١٠٤﴾

  1. (١) (م): "في السّجن"، وهي محتملة.
  2. (٢) (ت): "للجهاد".
  3. (٣) من أول الآية السابقة إلى هنا، من (ح) و(ق).
34

[طه: ١٠٢ - ١٠٤].

وخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: "إنَّهُ لَمْ يَبْقَ من الدُّنْيَا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه"١.

فلْيتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، ولْيَعْلَمْ أيُّ شيءٍ حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها؛ ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بِحَظٍّ خسيسٍ لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئًا مُوَفَّرًا٢ وأكمل منه، كما في بعض الآثار: "ابنَ آدم، بِع الدنيا بالآخرة تَرْبَحْهُما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تَخْسَرْهُما جميعًا"٣.

  1. (١) جزء من حديث طويل، اخرجه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد (٤/ ٥١ - ٥٢)، وأبو يعلى (١١٠١)، وعبد بن حميد (٨٦٢) وغيرهم عن أبي سعيد الخدريّ ﵁.
    قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح".
    وحسّنه ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (١٧٠).
    وانظر: "المجروحين" لابن حبان (٢/ ١٠٤) مع "الأمثال" لأبي الشيخ الأصبهاني (٢٨٣).
  2. (٢) (ح): "موفورًا".
  3. (٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٤٣) من قول الحسن البصري بإسنادٍ حسن. ووقع في إسناده هناك تحريف، انظر لتصويبه: "صفة الصفوة" (٣/ ٢٣٥).
    ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" -كما في "إتحاف السادة المتقين" (٩/ ٥٦٣) - من قول لقمان الحكيم.
35

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي