وقال بعض السلف: "ابنَ آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فُزْتَ بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا"١.
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول في خطبته: "أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سدى، وإن لكم مَعَادًا يجمعكم الله ﷿ فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشَقِيَ عبد أخرجه الله ﷿ من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السموات والأرض، وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، وشقاوة٢ بسعادة، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفكم بعدكم الباقون؟!، ألا ترون أنكم في كل يوم تشيِّعون غاديًا إلى الله ورائحًا قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بَطْنِ صدْعٍ من الأرض غير موسّد ولا مُمَهَّد، قد خلع الأسلاب٣، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟! "٤.
(١) أخرجه هنّاد في "الزهد" (٥٣٠، ٥٣١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٣٤٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٣٥) وغيرهم عن معاذ بن جبل ﵁ موقوفًا. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٢١): "رجاله رجال الصحيح، إلّا أني لم أجد لابن سيرين سماعًا من معاذ". قلت: لأنه لم يدركه.
(٢) (ت) و(م) و(ق): "وشقوة"، ولم ترد هذه العبارة في سياق الخطبة عند أبي نعيم في "الحلية".
(٣) (ح) و(م) و(ق): "الأسباب"، والمثبت من (ت) و"الحلية".
(٤) أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٦٦، ٢٨٧، ٢٩٥).
والمقصود أن الله ﷿ قد أَمَدَّ العبد في هذه المدة اليسيرة بالجنود، والعُدَد، والإمداد، وبَيَّن له بماذا يُحْرِزُ نفسه من عدوه، وبماذا يَسْتَفِكُّ نفسه إذا أسره.
وقد روى الإمام أحمد ﵁، والترمذي، من حديث الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله ﷾ أمر يحيى بن زكريا ﷺ بخمس كلمات، أن يعمل بها، ويأمر بني اسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يُبطئ بها، فقال له عيسى ﵇: إن الله تعالى أمرك بخمس كلمات لتعمل بها، وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما أن تأمرهم، وإما أن آمُرَهُم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يُخْسَف بي أو أُعَذَّبَ، فجمع يحيى الناس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد، وقعدوا على الشُّرَفِ، فقال: إن الله ﵎ أمرني بخمس كلمات أن أعْمَلَهُن، وآمُركم أن تَعَمَلُوا بهن.
أوّلهن: أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا، فإنَّ مَثَلَ من أشرك بالله كمثل رجلٍ اشترى عبدًا من خالص ماله بذهب أو وَرِقٍ، فقال له: هذه داري، وهذا عملي، فاعمل وأدِّ إليَّ، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيُّكُم يرضى أن يكون عبده كذلك؟!
وإنّ الله أمركم بالصَّلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا؛ فإن الله ينصب وجهه لوجْهِ عبده في صلاته، مالم يلتفِتْ.
وأمَرَكم بالصِّيَامِ؛ فإنّ مَثَلَ ذلك كمَثَل رجلٍ في عصابة، معه صُرّة فيها مسك، فكلهم يعجب أو يعجبه ريحه، وإن ريح الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.