الوابل الصيب

وأمركم بالصدقة؛ فإن مَثَل ذلك مَثَل رجل أسره العدو، فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدَّموه ليضربوا عنقه، فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم.

وأمركم أن تذكروا الله تعالى؛ فإن مَثَل ذلك كمَثَل رجل خرج العدو في إثره سراعًا، حتى إذا أتى على حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى.

قال النبي ﷺ: "وأنا آمركم بخمسٍ اللهُ أمرني بهن: السمع، والطاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة؛ فإنه من فارق الجماعة قِيْد شِبرٍ فقد خلع رِبْقة الإسلام من عنقه إلا أن يُراجِع، ومن ادَّعى دعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنم".

فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلى وصام؟ قال: "وإن صلى وصام، فادعوا بدعوى الله الذي سماكم المسلمين المؤمنين عباد الله" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح١.

فقد ذكر النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح العظيم الشأن -الذي ينبغي لكل مسلم حفظه وتَعَقُّله- ما ينجي من الشيطان، وما يحصل للعبد به الفوز والنجاة في دنياه وأخراه.

فَذَكَر مَثَلَ المُوَحِّد والمشرك: فالموحِّدُ كمن عمل لسيِّده في داره،

  1. (١) أخرجه أحمد (٥/ ٨٤٩، ٨٥٠)، والترمذي (٢٨٦٣) وغيرهما.
    وصحّحه الترمذيُّ، وابن خزيمة (٩٣٠)، وابن حبان (٦٢٣٣)، والحاكم (١/ ١١٨) ولم يتعقبه الذهبي.
38

وأدّى لسيِّده ما استعمله فيه١، والمشركُ كمن استعمله سيده في داره، فكان يعمل ويؤدي خراجه وعمله إلى غير سيِّده، فهكذا المشرك يعمل لغير الله تعالى في دار الله تعالى، ويتقرب إلى عدو الله تعالى بنعم الله تعالى عليه.

ومعلوم أن العبد من بني آدم لو كان له مملوك٢ كذلك لكان أمقت المماليك عنده، وكان أشد شيء غضبًا عليه، وطردًا له وإبعادًا، وهو مخلوق مثله، كلاهما في نعمة غيرهما، فكيف برب العالمين الذي ما بالعبد من نعمةٍ فمنه وحده لا شريك له، ولا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يصرف السيئات إلا هو، وهو وحده المنفرد بخلق عبده، ورحمته، وتدبيره، ورزقه، ومعافاته وقضاء حوائجه؟!

فكيف يليق به مع هذا أن يَعْدِلَ به غيرَه في الحب، والخوف، والرجاء، والحلف، والنذر، والمعاملة، فيحب غيره كما يحبه أو أكثر، ويخاف غيره ويرجوه كما يخافه أو أكثر؟!.

وشواهدُ أحوالهم -بل وأقوالهم وأعمالهم٣ - ناطقةٌ بأنهم يحبون أندادهم٤ من الأحياء والأموات، ويخافونهم، ويرجونهم، ويعاملونهم، ويطلبون رضاهم، ويهربون من سخطهم = أعظمَ مما يحبون الله تعالى، ويخافونه، ويرجونه، ويهربون من سخطه.

  1. (١) من قوله: "في داره" إلى هنا، ساقط من (ت).
  2. (٢) (ح): "مملوكه".
  3. (٣) (ح) و(م): "وأفعالهم".
  4. (٤) (ح): "أنداده".
39

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي